
شاعت مؤخراً عبارة للدلالة عن أهمية البيانات حالياً ومستقبلاً وهي: “Data is the new oil” أي أن البيانات هي النفط الجديد. فما الذي تعنيه هذه العبارة؟ وما هو أثر ذلك علينا في مهننا وأعمالنا؟
أولاً/ كما أن النفط سابقاً كان الوقود الذي حرَّك اقتصاديات العالم وحكوماته وأفراده حول العالم لعقود طويلةٍ، وكان ممكناً للعولمة أو العالمية الاقتصادية من خلال ترابط منظومات النقل والشحن الجوي والبري والبحري، ومن خلال ولادة قطاعات اقتصادية ومنتجات وخدمات وأنماط استهلاكية كان السبب في نشوئها النفط ومشتقاته؛ فإن البيانات (واقتصادياتها وتقنياتها واستخداماتها وتشريعاتها) من شأنها كذلك أن تحدِّث مثل هذا التحول الكبير والآثار الجذرية الضخمة على اقتصاديات العالم وآليات عمل حكوماته وحياة أفراده. ونحن الآن نشهد بعض صور التأثيرات الكبيرة للبيانات على حياتنا، فبطاقات التعريف بالهوية أصبحت رقمية، وعلاقتنا بالنقد تغيرت جذرياً بتقلص استخدام الأوراق النقدية “الكاش” مقابل الدفع باستخدام البطاقات الرقمية ضمن المحافظ الالكترونية (بل نشوء عملات الكترونية بالكامل قائمة على تقنيات البلوك تشين)، وصكوك تملك العقارات أصبحت الكترونية، والأحكام القضائية تصدر الكترونيا وكذلك محاضر جلساتها ووكالات الأطراف الممثلين فيها والتحقق من هوياتهم الكترونياً، وكذلك تزايدت التعاقدات التي تجري بالكامل الكترونيا، الخ. وهذه التأثيرات ما كان لها أن تكون لولا البيانات واقتصادياتها وتقنياتها واستخداماتها وتشريعاتها.
ثانياً/ كما أن صناعات النفط أدّت إلى تكوُّن ثروات ضخمة وولادة شركات عملاقة ودول ثرية تمتع بإيرادات مجزية من صناعاتها النفطية، فكذلك البيانات واقتصادياتها وتقنياتها واستخداماتها من شأنها أن تؤدي إلى تكون ثروات ضخمة وشركات عملاقة ودول ذات اقتصاديات قوية. وكما أن النفط كان سبباً كامناً خلف نزاعات بشأن حدود جغرافية، وحروب طاحنة، واضطرابات سياسية، وممارسات احتكارية، وتشريعات صارمة، وتحالفات دولية، فإن البيانات من شأنها أن تحدث ذلك الأثر، ولا أدلَّ على ذلك من إصدار الاتحاد الأوربي لتشريعاته القانونية الدفاعية لحماية البيانات (General Data Protraction Regulations – GDPR) وذلك بعد تفطنه لتغول الشركات الأمريكية التقنية واستحواذها على بيانات ضخمة لا مثيل لها باستخدام نماذج أعمال بريئة قانونية.
ثالثاً/ كما أن صناعات النفط أدَّت إلى تأسيس تخصصات وأقسام علمية خاصة (بل وجامعات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن)، وتكوين منهجيات وممارسات خاصة بها ضمن المهن الاحترافية، وتكون صناعات وسيطة وشركات متخصصة في كامل سلسلة التوريد الخاصة بالنفط، ونشوء أسواق خاصة بسلعة النفط، وأيضا نشوء صناعات ضخمة (وما يتبعها من تأثير على المهن الاحترافية) قائمة في أول الأمر على النفط مثل صناعة البتروكيماويات، والبلاستيك، والسيارات، والطائرات الخ؛ فإن البيانات من شأنها أن تحدث مثل هذا الأثر بأن تؤدي إلى تخصصات وأقسام علمية خاصة (وربما جامعات)، وتكوين منهجيات وممارسات خاصة بها ضمن المهن الاحترافية، وتكون صناعات وسيطة وشركات متخصصة في كامل سلسلة التوريد الخاصة بها. وهذا بدأ فعلاً في النشوء، وما زال في بداياته.
ما هو أثر ذلك علينا في مهننا وأعمالنا؟
إذا كانت البيانات بهذه الأهمية، وكان من شأن تأثيرها أن يكون جذرياً وشاملاً وعميقاً؛ فأعتقد أننا ينبغي علينا أن بالتعرف أكثر على طبيعة البيانات واقتصادياتها وتقنياتها واستخداماتها وتشريعاتها، وأن نكون من طليعة المهتمين والواعين بأهميتها والساعين للاستفادة الإيجابية من فرصها في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والحكومية والمهنية والاحترافية.
- إذا كنت قانونياً تبحث عن مجال ممارسة مطلوب حالياً وواعد جداً مستقبلاً = تخصص في البيانات!
- وإن كنت ممارساً متخصصا في مجالات أخرى، فافهم أيضا تأثير البيانات على مجالات ممارستك، وتقاطعاتها معها. ومن المهم أيضاً أن نتعرف ونبتكر أساليباً للاستفادة من البيانات ضمن نماذج أعمالنا، حتى نواكب المستقبل.
- وإن كان ممارساً لصياغة العقود، فلعلك على اطلاع بأن البيانات وأحكامها أصبحت من الأقسام المعتادة التي تضمن في العقود ذات العلاقة.
- وإن كنت مقيماً في السعودية، فإن الحكومة أصدرت مؤخراً نظام حماية البيانات الشخصية، النظام الذي من شأنه تنظيم الأعمال المتعلقة بالبيانات على نحو دقيق وتفصيلي. والذي من شأنه أن يحدث المخاض اللازم لولادة مجالات ممارسة مهنية فيما يتعلق بالبيانات.
هذه النقاط أعلاه هو بعض من إيحاءات عبارة “البياناتُ النفط الجديد”، وسيأتينا المستقبل بتفسيرها كاملة، وفي نظري أن العبارة قاصرة عن المعنى المراد. بل لعلي لا أكون مخطئاً إن قلت بأن “البيانات هي الكهرباء الجديدة” “Data is the new electricity”، لأن النفط قد يمكن الاستغناء عنه بينما الكهرباء والبيانات لا يمكن الاستغناء عنهما.
والله أعلم.
أحمد التميمي – Ahamad Altamimi
20 جمادى الأول 1443 الموافق 24 ديسمبر 2021
