
أعلنت أمانة الرياض قبل مدة عن مشروع طموح لأنسنة مدينة الرياض، وذلك بجعل المدينة أكثر ملائمة للأنسان وصديقة له لا نداً له. وهذا المشروع يهدف – ضمن أهداف عدة- بأن تكون الطرقات في الرياض ليست مناسبة فقط للمركبات “الآلات”، بل تكون أيضاً مناسبة لمشي الناس وتنقلاتهم على أقدامهم وما يتصل بذلك من تشجير، وترصيف، وتخطيط.
وأعتقد أننا في المجال التعاقدي نحتاج إلى تبني مثل هذا التوجه في الأنسنة. وذلك بأن نسعى لجعل العلاقات التعاقدية والعقود أكثر ملائمة للإنسان العادي وأكثر تعبيراً عنه. لأن العقود في الوقت الحالي – خصوصاً تلك المستوحاة أو المترجمة من العالم الغربي- أصبحت قوالب معقدة، جامدة، مُرْهِقة، مُثقلةً بأمور يُشكُّ في جدواها وفائدتها العملية. وأصبح الإنسان العادي بل حتى المتخصص، يجد حرجاً ونفوراً من التعامل معها.
رغم أن هذه العقود ينبغي أن تكون تعبيراً عن علاقة تعاقدية “إنسانية” مركبة، تجعل الإنسان (أطراف العلاقة التعاقدية تحديداً) في بؤرة الاهتمام؛ أصبحت في نهاية المطاف بعيدةً كل البعد عن التعبير عن العلاقة الإنسانية التعاقدية بكل تركيبيتها (مثل الثقة، والأمانة، وحسن النية، والسمعة)، واتجهت إلى التركيز على الموضوع الذي تراد تنظيمه، وإلى استحضار شخصيات أخرى من خارج العلاقة التعاقدية (مثل القاضي).
كلما كانت العقود أكثر إنسانية؛ كلما ساهمت أكثر في تعزيز القيم التي تسود في السياق التجاري كالثقة والسمعة وحسن النية.
وكلما اتجهنا أكثر نحو أنسنة العقود؛ كلما ازداد اعتماد أطراف العلاقة التعاقدية “الإنسانية” على وثيقة العقد كإطار عمل تفاهمي “ملزم” يساعدهم على حوكمة العمل المشترك أو إحداث التصرف القانوني المنشود.
أما إذا تجمدت ممارساتنا التعاقدية على تلك العقود التي تفتقد البعد الإنساني، فإن العقد المتين “المحكم النصوص” لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاقة الإنسانية المركبة القائمة على الثقة والسمعة و”الحيطة والحذر” كذلك.
أحمد التميمي – Ahamad Altamimi
