
تطرقنا في الجزئين الأوليين من هذه السلسلة إلى تقرير خلاصةٍ مفادها أن العناصر الأساسية و المكونات المشتركة في أي تنظيم تعاقدي تمثل العمود الفقري عند كتابة كثير من العقود. وهذا القدر المشترك هو قوام كثير من التنظيمات التعاقدية، ومن خلال إدراكه وفهمه؛ سيسهل بإذن الله فهم العقود المختلفة على اختلاف أنواعها واختلاف الأعمال التي تسعى لتنظيمه. وشرعنا في الجزء الأول من هذه السلسلة في عرض أربعة من العناصر المشتركة بين غالب التنظيمات التعاقدية للعقود المكتوبة. وهي: الأطراف في العقد، والتمهيد، ونطاق العقد أو الغرض منه، وأخيراً أجزاء الاتفاقية ووثائقها. أما في الجزء الثاني من هذه السلسلة ، فقد سلطنا الضوء على عنصرين هما: مدة الاتفاقية وما يتعلق بأحكام تجدد الاتفاقية، والشروط التعاقدية وما ينبغي مراعاته عند صياغتها وما هي أنواع الشروط من حيث النظر الشرعي.
وفي الجزء الثالث من هذه السلسلة سنتطرق بإذن الله إلى عناصر أخرى مهمةٍ من العناصر المشتركة، وهي التزامات الطرفين، وقيمة الاتفاقية وشروط الدفعات، ونطاق العمل في حال كان العمل المطلوب خدمات أو صفة المبيع أو السلعة في حال كان العقد بيعا أو إجارة أو توريدا أو تصنيعا، والملكية الفكرية، وإنهاء الاتفاقية، والآثار المترتبة على الإنهاء .
وقبل الشروع في ذكر المجموعة الثالثة من العناصر المشتركة بين العقود المدونة، أود أن ألمح إلى غرضي الأساس من كتابة هذه السلسلة من المقالات هو العرض المختصر للعناصر المشتركة بين العقود المدونة الحديثة حتى يسهل التعرف على تلك العناصر المشتركة عند الاطلاع عليها، ويتكوَّن عندنا تصوّرٌ بطبيعة هذه العناصر والفائدة منها وصياغتها.
العنصر السادس من العناصر المشتركة هو المعقود عليه سواء كان سلعة أو خدمة أو منفعة أو مصلحة معتبرة أو غير ذلك والثمن المتفق على دفعه في مقابل المعقود عليه.
المنتج / الخدمة، والثمن
من المعلوم أن للعقد أركاناً أساسية في الفقه والقانون، بحيث أنه لو تخلف أحد هذه الأركان؛ لكان العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال. وأركان العقد في الفقه هي: 1- الصيغة وهي الإيجاب والقبول اللذان يعبران عن رضا المتعاقدَين بالعقد وتوجِّه إرادتهما لإبرامه، 2- والعاقدان، 3- والمعقود عليه، وهوأمران: الثمن والمثمَّن.
والمثمَّن قد يكون منتجاً أو خدمةً أو منفعةً أو مصلحةً معتبرةً أو التزاماً محدداً أو إسقاطاً لحقٍ (كحال الصلح مثلاً). والثمن قد يكون نقداً أو يكون من غير النقد (كأن اشتري منتجاً بمنتجٍ آخر). وقد يكون المعقود عليه التزاماً يقابل، كالتزام يقابله التزامٌ آخر، كالتزام كلٍّ من المتعاقدين بالمحافظة على سرية المعلومات المتبادلة بينهما كما في اتفاقية عدم الإفشاء عن المعلومات. وهذان الأمران -أي الثمن والمثمَّن- ضروريان لإبرام العقود الملزمة. فطرفي الاتفاقية يتبادلان الالتزامات بحسب طبيعة العقد، فيتعهد أحدهما بدفع الثمن مقابل قيام الطرف الآخر بتنفيذ الخدمة أو بيع السلعة أو التمكين من المنفعة أو التنازل عن الحق. وهذا التبادل بين الطرفين هو أساس التبادل التجاري وأساس نشأة العقود.
وهكذا غالب العقود، فهي تتضمن مادة تحدد ماهية المنفعة أو الخدمة أو السلعة التي يتعاقد عليها الأطراف ويستحق عليها الطرف الذي يقدمها أو يلتزم بتقديمها الثمنَ بموجب العقد. ففي عقد الإجارة مثلا، يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من منفعة العين المستأجرة، مقابل أن يدفع له المستأجر القيمة الإجارية المتفق عليها. وكذلك في عقد التوريد، فيلتزم المورد بتوريد السلعة المتفق على مواصفاتها بين الطرفين، وذلك مقابل أن يدفع المشتري ثمن السلعة عند التوريد.
ونحن في العنصر السادس سنركز على المعقود عليه – بشقِّيه-، وهما السلعة أو المنفعة أو الخدمة أو غيرها، والثمن المتفق على دفعه في مقابل المعقود عليه.
والشق الأول من المعقود عليه له أنواعٌ؛ فقد يكون عيناً (منتجاً أو عقاراً)، أو يكون خدمةً، أو أن يكون منفعةً، أو يكون التزاماً. ومثال المعقود عليه من الأعيان هو عقود شراء السلع والمنتجات، أو عقود شراء الحصص في الشركات، أو عقود شراء الأراضي والعقارات. ومثال المعقود عليه من الخدمات هو عقود المقاولات والإنشاءات، وعقود تطوير البرمجيات، وعقود تقديم الاستشارات، وعقود الصيانة. ومثال المعقود عليه من المنافع هو عقود الإجارات وعقود التوظيف وعقود التراخيص كعقد ترخيص البرمجيات أو ترخيص العلامة التجارية. ومثال المعقود عليه من الالتزامات هو اتفاقية عدم الإفشاء عن المعلومات، أو اتفاقيات البحث والتطوير المشترك.
أما الشق الآخر من المعقود عليه فهو الثمن. وفي غالب العقود، يضع المتعاقدان شروطا تنظم أحكام الدفع، وتسمى شروط الدفع. ومنها مثلاً استلام المبيع خالياً من العيوب، وذلك في العقود المنطوية على شراء سلع أو منتجات. أو تقسيط الثمن على مراحل، بحيث يدفع قسط الثمن بحسب اكتمال أجزاء العمل التي تقابل أقساط الثمن. وذلك يحدث كثيراً في عقود الخدمات مثل المقاولات والتي يتطلب تنفيذ العمل مدة زمنية متراخية عن توقيع العقد. وأيضا من شروط الدفع أن يجتاز المبيع – سواء كان سلعة أو خدمة- معايير قبول يقررها الطرفان مسبقاً في عقدهما، كمطابقة المنتج للمواصفات المتفق عليها.
وأدناه مثال على نص ثمن الاتفاقية والدفعات
يكون ثمن الاتفاقية هو [….] يدفعه الطرف الأول إلى الطرف الثاني مقابل تنفيذ الطرف الثاني للأعمال المحددة في الملحق رقم (1) وفقا لأحكام الاتفاقية ووفقا لمواصفات التنفيذ في الملحق رقم (2). ويكون الدفع وفق جدول الدفعات الموضح في الملحق رقم (3) من هذه الاتفاقية.
شروط الدفعات: في حال استحق أي طرف من طرفي الاتفاقیة لأي دفعات من الطرف الآخر بموجب ھذه الاتفاقیة، فعلیه أن یقدم فاتورة بذلك إلى الطرف الآخر، وأن یرفق معھا المستندات المؤیدة للمبالغ المطلوبة. ویجب على كل طرف أن یسدد أي مبلغ مستحق علیه إلى الطرف الآخر بموجب ھذه الاتفاقیة خلال عشرة ( 10 ) أیام من تاریخ الفاتورة المقدمة من ذلك الطرف الآخر.وجمیع المبالغ المستحقة الدفع بموجب ھذه الاتفاقیة یجب أن تكون خالیة من جمیع الضرائب المقررة حالیا أو مستقبلا من أي جھة حكومیة. یتحمل الطرف الأول تسدید جمیع الضرائب وبما فیھا ضریبة القیمة المضافة وفقا للنسب والطریقة المحددة نظاماً.
أما العنصر الثامن من العناصر المشتركة هو إنهاء الاتفاقية والآثار المترتبة على الإنهاء.
إنهاء الاتفاقية (التخارج من الاتفاقية)
العلاقة التعاقدية كالرباط الوثيق الذي يربط بين أطراف العقد، حتى إذا أوفى الطرفان بالتزاماتهما وفق العقد؛ انحلَّ هذا الرباط وارتخت عقدته. وفي بعض الأحوال، تتغير بعض الظروف الخارجية التي من أجلها أبرم الأطراف هذه العلاقة التعاقدية، مما يجعل الاستمرار في تنفيذ التزامات العقد على أحدهما أو كليهما شاقاً وعسيراً، مما يجعل العلاقة التعاقدية تنتقل من كونها رباطاً وثيقاً إلى كونها قيداً غليظا يؤذي بعض أطراف العقد، وتدفعه (أي تلك الظروف الخارجية) إلى التفكير جديا في الخروج من هذه العلاقة التعاقدية. فعلى سبيل المثال، قد يتعاقد سعيد بصفته مالكا لمصنع حلويات مع ماجد بصفته مستوردا لسكر بني خام من نوعية جيدة، على أن يورد ماجد إلى سعيد هذا السكر بأسعار ثابتة مخفَّضة حتى يستخدمها سعيد في إنتاج حلوى معينة يكون فيها ذلك السكر البني الخام عنصرا ضرورياً. واتفقا على أن تكون مدة عقد التوريد 3 سنوات، يجب فيها على سعيدٍ شراءُ كمية محددة كل سنةٍ من هذا السكر لا يقل عنها مطلقا. ولكن بعد مرور سنة على إبرام العقد، تبيَّن لسعيدٍ تراجعٌ حادٌ في مبيعات تلك الحلوى التي ينتجها، مما حدا به إلى أن يدرس قراراً تجارياً بوقف إنتاج تلك الحلوى. ولكنه حينما انهمك بدراسة ذلك القرار التجاري، تبين له أنه قد يصطدم بعقبة عقد التوريد الذي تبقَّت سنتان من مدَّته يكون فيها ملزما بشراء كمياتٍ محدَّدةٍ سنويا من ماجد. فما هو العمل لتجاوز هذه العقبة؟ وكيف يستطيع صائغ العقد -أثناء عمله في صياغة عقد التوريد- من تنظيم آلية للتعامل مع هذه الظروف التي قد تستدعي رغبة أحد أطراف العقد في التخارج من العقد؟
وللأشكالية حلٌ أيضا، حيث إن صائغي العقود قد درجوا على ترتيب آلية للخروج من الاتفاقية -قبل انتهاء مدتها-، وذلك من خلال مادة خاصة بأحكام إنهاء الاتفاقية أو العقد قبل وقته. يكون تنظيم الخروج من الاتفاقية عادة من خلال مادة إنهاء الاتفاقية حتى يكون الخروج من الاتفاقية منظماً ورضائياً قدر الإمكان ووفق أحكام العقد.
وهناك حالان رئيستان لإنهاء الاتفاقية. الحال الأولى هي رغبة أحد أطراف العقد في الإنهاء بسببٍ بدر من الطرف الآخر في العقد، كأن يكون تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته يقع على نحوٍ مخالفٍ لبعض أحكام العقد، أو يقع متأخراً عن المدد المتفق عليها. وهذه الحال الأولى تسمى الإنهاء بسبب (For cause termination). أما الحال الثانية، فهو رغبة أحد أطراف العقد في الإنهاء، لا لسببٍ بدر من الطرف الآخر (أي بدون تقصير من الطرف الآخر)، وإنما لأمرٍ طرأ على الطرف الذي يرغب في الإنهاء، مما جعل الاستمرار في الاتفاقية غير مجدٍ له. وهذه الحال الثانية تسمى الإنهاء من غير سبب (Termination for convenience). وسأوضح أكثر حالتا إنهاء الاتفاقية (إنهاؤها بسببٍ وإنهاؤها من غير سببٍ) وسأضرب أمثلة عليها، للمساعدة في كشف الإبهام عنهما.
الإنهاء بسبب: التخارج من الاتفاقية بسببٍ بدر من الطرف الآخر، يجعل من مصلحة الطرف -الذي يطلب الإنهاء- أن يخرج من الاتفاقية وينهيها قبل وقتها. والسبب الذي يبدر من الطرف الآخر، كوقوع إخلالٍ منه بأحد التزاماته الجوهرية (كأن يلتزم المؤجر بتسليمك الوحدة المؤجرة بعد سبعة أيام من توقيع عقد الإجارة، ويمر عليك شهرٌ كامل دون أن ينجح المؤجر في تسليمك الوحدة المؤجرة، مما يعد إخلالا من المؤجر بالتزامه إليك) ، أو مرور الطرف الآخر بتعثراتٍ تلقي ظلالاً من الشك على ملائته المالية وقدرته على الوفاء بالتزاماته (كأن تمنح الطرف الآخر ترخيصا حصريا مدته خمس سنوات لتمويل وتصنيع وتسويق منتجٍ -تملك حقوقه الفكرية- على أن تتشاركا سويةً أرباح هذا المنتج وفقا لنسب محددة بينكما، ثم يتبين لك أنه بعد توقيع اتفاقية الترخيص الحصري بأشهر؛ أن محكمة التنفيذ ستنفذ ضد هذا الطرف الآخر حكما قضائيا يتضمن بيع أصول وممتلكات للطرف الآخر لسداد ديونٍ قد عجز عن سدادها) . وهذا النوع من التخارج يسمى الإنهاء بسبب. وفي حال الإنهاء بسبب، فإن الذي يفترض أن يملك حق إنهاء الاتفاقية لذلك السبب هو الطرف الذي يقع في مواجهته السبب المقتضي للإنهاء. وعليه، فإن صائغ الاتفاقية في العادة يجعل الإنهاء بسببٍ حقاً اختياريا للطرف المتضرر وليس واجبا عليه، وليس للطرف المخل أن ينهي الاتفاقية بدعوى وقوع الإخلال منه.
وأدناه مثال للإنهاء بسبب:
1- في حالة وقوع أي من الحالات المنصوص علیھا في الفقرات الواردة أدناه، یحق لأي من الطرفین فسخ وإنھاء ھذه الاتفاقیة فورا بإشعار خطي یسلمھ إلى الطرف الآخر:
أ- أن یخلَّ الطرف الآخرإخلالا جوھریا بأي من التزاماته بموجب ھذه الاتفاقیة، ولا یعالج ذلك الإخلال خلال مدة خمسة عشر (15) یوما من استلامه إخطارا خطیا للقیام بذلك.
ب- أن یعجز الطرف الآخر في تسدید الدیون التي عليه بسبب الإفلاس، أو أن یصبح مفلساً أو أن یتعرض لأي أمر أو قرار بتصفیته، أو حلِّه (فیما عدا أن یكون ذلك لغرض إعادة الھیكلة)، أو تعیین حارسٍ قضائي أو وصي أو مصف أو مدیر تركة أو أي مسؤول آخر نحو ذلك، على كل أو جزء كبیر من أموالھ وممتلكاتھ، أو أن یبرم أو ینوي إبرام تسویة واقیة من الإفلاس أو اتفاقیة مع دائنیھ، أو أن یصبح عرضة لأي شيء أو إجراء قانوني من ذلك القبیل في أي مكان.
2- یجوز لإيٍّ من الطرفين إیقاف تنفيذ التزاماته بموجب ھذه الاتفاقیة، وذلك في حالة تعرض الطرف الآخر لأي من الحالات الواردة في البند رقم أعلاه، أو في حالة أن یعتقد الطرف اعتقادا معقولا أن الطرف الآخر على وشك أن یكون معرضا لأي منھا، أو في حالة عدم سداد الطرف الأول للمبالغ المستحقة علیھ بموجب ھذه الاتفاقیة عند حلول أجلھا.
3- كل شرط من شروط ھذه الاتفاقیة تتطلب طبیعتھ السریان إلى ما بعد إنھاء ھذه الاتفاقیة، یظل ساریاً إلى أن یتم الوفاء بھ، ویسري على
المتنازل لهم بأي سبب من أسباب التنازل أو الإحلال
الإنهاء بدون سبب: هو التخارج من الاتفاقية لا لسبب إخفاقٍ من الطرف الآخر، وإنما لأمرٍ طرأ على الطرف الذي يرغب في الخروج من الاتفاقية وإنهائها قبل وقتها، كتغيِّرٍ في الظروف الاقتصادية المحيطة في العقد، أو تغيَّر في خططه التجارية، أو زوال أحد الأسباب التي كانت داعيةً إلى الدخول في العلاقة التعاقدية (كانسحاب عميل رئيسي، أو إلغاء الحكومة لعقد كانت هذه الاتفاقية مرتبطة به) ، مما يجعل الاستمرار في الاتفاقية غير مجدٍ للطرف الراغب في الإنهاء.
وقد يتفق الطرفان في العقد على أن يكون حق إنهاء الاتفاقية بدون سبب محصورا فقط في أحد طرفي العقد دون الآخر. أي أن الآخر سيكون ملزما بإكمال العقد إلى منتهاه طالما لم يقع إخلال أو سبب مقتضٍ للإخلال بحسب العقد. وانحصار حق الإنهاء في طرفٍ من العقد دون الطرف الآخر، يجعل الطرف الحائز لهذا الحق في مركز قانوني أقوى من الطرف الآخر وذلك فيما يتعلق بإنهاء الاتفاقية.
وأدناه مثال للإنهاء بدون سببٍ:
أ- يحقُّ لأيٍ من الطرفين إنهاء هذه الاتفاقية قبل انتهاء مدتها وذلك بموجب إشعار خطي مكتوب يو جه إلى عنوان الطرف الآخر وذلك قبل شهر من التاريخ المحدَّد للإنهاء.
ب- يقوم الطرفان بعمل مقاصَّة نهائية بين الحسابات وفق الآلية الموضَّحة في الفقرة .. من المادة …..
الآثار المترتبة على الإنهاء:
وهناك أمرٌ يتبع إنهاءَ الاتفاقية والتخارج منها قبل تمام مدتها أو استيفاء كافة التزاماتها، وهذا الأمر يتعلق بآلية التعامل مع الآثار التي تستبع إنهاء الاتفاقية، وتترتب على الإنهاء. وذلك لإن إنهاء الاتفاقية، خاصةً في حال الإنهاء دون سببٍ بدر من الطرف الآخر، لا يفترض أن يعني أن الطرف المُنهي سيتخلص فورا من عهدة الالتزام و كافة تبعات العقد ومسؤولياته، وأن الطرف الآخر سيبوء وحده بكافة الأعباء التي ربما تترتب على إنهاء الاتفاقية دون اختياره أو موافقته، ودون وقوع تقصير منه. فعلى سبيل المثال، في حال أبرمت شركة عقداً مع مستشار مقيم في ألمانيا تطلب منه السفر إلى السعودية والإقامة فيها لمدة شهرٍ لدراسة أمرٍ ما وتقديم رأيه بخصوصه. ثم بدا للشركة أن تنهي العقد وفق آلية الإنهاء بدون سبب الموضحة في الفقرة أعلاه. فكتب المستشار إلى الشركة بأن هناك بعض التكاليف المباشرة قد تكبدها لغرض هذا العقد، وهي على وجه التحديد، رسوم التأشيرة السعودية، وتكاليف إلغاء تتعلق بتذاكر الطيران، وتكاليف إلغاء تتعلق بحجز فندقي، وأرفق المستشار فواتير ومستندات تثبت ذلك. هنا، هل يجب على الشركة أن تعوَّض المستشار عن هذه التكاليف المباشرة والتي أصبحت خسائر عليه نظراً لأن العقد أنهيَ من قبل الشركة؟ قاعدة العدالة في العقد تقتضي ألا يستقلَّ المستشار وحده بتحمل كافة التكاليف التي ترتبت على إنهاء العقد من قبل الشركة خصوصا عندما يقع الإنهاء بدون سبب أحدثه المستشار. وبالتالي فإن تحمل الشركة لهذه التكاليف المباشرة المؤيدة بالمستندات يكون متوجها. إذن، ما هو دور صائغ العقد في هذا الشأن لتنظيم الآثار المترتبة على الإنهاء؟ يفترض بصائغ العقد أن يخصص فقرة في العقد للتعامل مع الآثار المترتبة على الإنهاء حتى يقلص احتمالات التنازع بين الطرفين مستقبلاً.
أدناه مثال على فقرات تتعامل مع الآثار المترتبة على الإنهاء:
أ– الشروط المنصوص علیھا في ھذه الاتفاقیة وكذلك في وثائق الاتفاقیة وذات العلاقة باتفاقیات الطرف الثالث المشار إلیھا أعلاه تظل ساریة إلى حین الوفاء بھا أو إلى حین إنھاء تلك الاتفاقیات وفقا للشروط الواردة فیھا.
ب-في حالة رغبة أحد الأطراف في إنھاء ھذه الاتفاقیة دون تقصير من الطرف الآخر، فإنه یجب علیه أن يعوض الطرف الآخر عن أي أضرار فعلية أو تكالیف مباشرة، وبما في ذلك تكالیف الطرف الثالث أو أي تكالیف أخرى متعلقة ببرمجیات الطرف الثالث أو منتجاته والتي تنشأ عن إنھاء ھذه الاتفاقیة.
أما العنصر التاسع من العناصر المشتركة هو الولاية القضائية والقانون الحاكم.
الولاية القضائية والقانون الحاكم
المقصود بالولاية القضائية هو تحديد المحكمة المختصة التي ستفصل في موضوع النزاع الناشئ عن العقد، في حال وقع بين أطراف العقد نزاع ما، وأرادوا، أو أراد أحدهم اللجوء إلى القضاء للحكم فيه. فقد يكون أحد طرفي العقد شركة سعودية، والطرف الآخر هي شركة أمريكية، ويتفقان على أن تكون الولاية القضائية (“الحصرية”) على هذا العقد لمحاكم نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي، فإذا وقع نزاعٌ بينهما، فإن الشركة السعودية لن تستطيع اللجوء إلى المحاكم السعودية للفصل بينهما لأن الولاية القضائية بحكم اتفاق الطرفين هي لمحاكم نيويورك. وقد يتفق الطرفين في المثال السابق (الشركة السعودية والشركة الأمريكية) على أن تكون الولاية القضائية ليست للمحاكم الأمريكية وليست للمحاكم السعودية؛ وإنما للمحاكم الأنجليزية في لندن. والمقصود بالقانون الحاكم هو تحديد القانون الذي سيفسر العقد بموجبه ووفق المبادئ القانونية المتقررة فيه. هل يكون القانون السعودي أم القانون الفرنسي أم غيرهما من القوانين. وقد يرغب أطراف العقد في أن لا يخضعوا عقدهم لولاية أيٍّ من المحاكم للفض في النزاعات الناشئة عنه ، وإنما يتجهون إلى أن يكون الفضُّ في نزاعات العقد بواسطة الطرق البديلة لتسوية المنازعات كالتحكيم مثلا. إذن في المادة المتعلقة بالولاية القضائية والقانون الحاكم، ينبغي أن تُحدَّد ثلاثةُ أمور: أولها، آلية فض النزاعات الناشئة عن الاتفاقية وهل تكون قضاءً أم تحكيماً. وثانيها، القانون الذي سيطبق على الاتفاقية، والذي ستفض النزاعات في ضوئه، وبموجب مبادئه وأحكامه، هل يكون قانونا سعوديا أم انجليزيا أم غيره من القوانين. وثالثها، مكان التقاضي، بأن تذكر البلد والمدينة التي سيجري فيها التقاضي. بالإضافة إلى الأمور الثلاثة السابقة، فإن هناك أمرٌ رابع يشار إليه ضمن مادة الولاية القضائية والقانون الحاكم، وذلك في حال كانت الآلية المتبعة لفض النزاعات هي التحكيم. هذا الأمر الرابع سيضع أُطراً لعملية التحكيم، بحيث يتفق أطراف الاتفاقية على عدد المحكمين، ولغة التحكيم، والقواعد التي ستُجرى عمليةُ التحكيم وفقا لها (على سبيل المثال قواعد اليونسيترال)، والمركز التحكيمي الذي سينظِّم عملية التحكيم (على سبيل المثال المركز السعودي للتحكيم التجاري)، وأخيرا مكان التحكيم.
وهنا تجدر الإشارة إلى إيلاء عنصر الولاية القضائية والقانون الحاكم أهمية كبيرة في العقود الدولية (أي التي تتضمن طرفين على الأقل من دولتين ذات نظامين قضائيين مختلفيين). وذلك لأنه في الغالب ستجد أن الطرفين سيحاول كل منهما أن يجعل الولاية القضائية تنحصر في محاكم دولته دون محاكم الطرف الآخر. وإن نجح أحدهما في ذلك، فسيكتسب أفضليةً معتبرة على الطرف الآخر. لما؟ لأنه في حال حصول نزاعٍ، فسيكون الطرف الذي انعقدت الولاية القضائية لمحاكم دولته أقدر من الطرف الآخر على التنبؤ بنتائج النزاع، لمعرفته بالسوابق القضائية ولمعرفته بالمبادئ القانونية المتقررة في محاكمه، ولإحاطته بتفاصيل النظام القانوني و
وآخراً، هذا مثال على مادة الولاية القضائية والقانون الحاكم:
تخضع هذه الاتفاقية لأنظمة [المملكة العربية السعودية]. وتفصل المحكمةالمختصة في [الریاض، المملكة العربية السعودية] في جمیع النزاعات والخلافات التي قد تنشأ عن ھذه الاتفاقیة.
والله الموفق
17 شعبان 1441 هـ الموافق 10 أبريل 2020
