لغة العقود بين التبسيط والتعقيد

[!ترجمة الكاركتير: يخاطب المحامي زميلَه: “نحتاج مزيداً من المصطلحات المعقدة، لأن الناس بدأوا يفهمون ما نتحدث عنه]

الشروط والأحكام التعاقدية التي يتفق عليها طرفا العقد، أو يعرضها أحد طرفي العقد على الطرف الآخر للقبول بها؛ تكون -في الغالب الأعمِّ- مصاغةً في قوالب لفظية أو جملٍ مفيدةٍ تحتويها وثيقة العقد وتسمى تلك القوالبُ والجُمَلُ موادَ العقد أو بنودَه أو فقراتِه أو نصوصَه – دون فرقٍ يذكر بين هذه التسميات-.

وطالما كان الأصل صياغةُ الشروط والأحكام التعاقدية في قوالبَ لفظيةٍ؛ كانَ مؤدَّى ذلك أن تكون اللغة -التي تصاغ بها الشروط والأحكام التعاقدية- عاملاً جوهرياً مؤثراً في الأمور التالية:

أ‌) تجلية أحكام وشروط العقد وتوضيحها.

ب‌) تأطير كل شرط وحكمٍ تعاقدي، وذلك بتحديد نطاقه حتى يفهم من ذلك الشرط أو الحكم لغةً ما يدخل في إطاره وما يخرجُ عنه؛ لئلا يُدخَلُ فيه ما ليس منه أو يخرج عنه ما هو جزءٌ منه. ويحسن التمثيل لتأطير الأحكام التعاقدية وتحديد نطاقها بالحكم التعاقدي الذي يراد منه تحميل المستأجر شيئاُ من مسؤوليات صيانة العين المؤجرة. فإنك إذا كنت ضَمَّنت عقد الإجارة حكماً تعاقدياً بأن الصيانة تكون من مسؤوليات المستأجر، ولكنك لم تعرف الصيانة ولم تميِّز بين أنواعها؛ فيقتضي ذلك -بسبب عموم الصياغة- أن المستأجر مسؤولٌ عن أنواع الصيانة جميعها، مثل الصيانةُ الاعتيادية وهي صيانة التلفيات أو الإضرار التي تنتج عادة عن الاستخدام العادي للعين المؤجرة كصيانة صنابير المياه أو طلاء الجدران، ومثل الصيانة ُالأساسية التي ترد على التلفيات أو الإضرار التي من شأنها أن تمنع من استيفاء المنفعة، كصيانة أساسيات البيت أو تسريبات أسقف البيت، ومثل الصيانة للأضرار التي تقع على العين المؤجرة بسبب عائدٍ إلى تقصير المستأجر وتفريطه. لكن الأصل في عقد الإجارة أن يتحمل المؤجر أعباء الصيانة الإساسية التي ترد على التلفيات أو الإضرار التي من شأنها أن تمنع -كلياً أو جوهرياً- من استيفاء المنفعة إلا في حال كانت الأضرار ناتجة عن تقصير المستأجر. وبالتالي فإن المادة التي يراد منها تقرير حكم تعاقدي بتحميل المستأجر مسؤولية الصيانة، ينبغي أن تكون محددةً ومؤطرةً بصورة سليمة بتوضيح ما إذا كانت الصيانة المقصودة هي الصيانة الاعتيادية فحسب أم أن المقصود هو الصيانة بأنواعها.

ج‌) المنطقية، والعرض العقلاني للشروط والأحكام التعاقدية، ومراعاة أدبيات الصياغة. فعلى سبيل المثال، قد يقبل الطرف الثاني أن يمنح الطرف الأول الحق في إنهاء العقد قبل مدته وفق إرادة الطرف الأول المنفردة حتى وإن لم يقع من الطرف الثاني تقصير أو إخلالٌ (حق الفسخ دون سبب). فهنا ينبغي على الطرف الطرف الأول أثناء صياغته للبند المتضمن حق الفسخ دون سببٍ، أن يراعي أن يجعل هذا الحق مسبوقاً أو مقروناً بإشعار الطرف الثاني بهذا الفسخ. لأن عدم تقييد حق الفسخ بحتمية توجيه إشعارٍ للطرف الثاني، قد يُسيغُ للطرف الأول فسخَ العقد دون إشعار الطرف الثاني، الأمر الذي قد يترتب عليه أن يستمر الطرف الثاني -الذي لا يعلم أن العقد قد أنهي مسبقاً- في تنفيذ التزاماته التعاقدية أو تحمل تكاليف إضافية أو الدخول في التزامات تعاقدية مع أطراف ثالثة لغرض عقده الأساسي مع الطرف الأول. وهذا يحمل الطرف الثاني أعباء كان في غنىً عنها لو أن الطرف الأول أشعره أنه أنهى العقد أو أنه سينهيه في تاريخ محددٍ. بالإضافة إلى ذلك، فإنه ليس من مصلحة أي من الطرفين أن يستمرَّ الطرف الثاني في تنفيذ التزاماته أو تحمل تكاليف إضافية بعد إنهاء العقد. إضافةً إلى ذلك، فينبغي أن يقترن حق الفسخ بدون سببٍ بحكمٍ تعاقديٍ يوضِّحُ أن حق الفسخ هذا لا يلغي التزام الطرف الأول بأن يدفع للطرف الثاني قيمة الأعمال أو المنتجات التي نفذها الطرف الثاني وقَبِلها الطرف الأول قبل تاريخ الفسخ، وأن يتضمن آلية للتعويض عن التكاليف المحققة -إن وجدت- التي تكبدها الطرف الثاني حتى تاريخ الفسخ. وبالتالي، فإن الصياغة التي تقرر حقَّ الفسخ بدون سبب للطرف الأول، دون تقييدٍ لهذا الحق أو ربطه بتوجيه إشعارٍ للطرف الثاني، ودون التأكيد على أن حق الفسخ يجب ألا يؤثِّر على الحقوق المالية المترتبة للطرف الثاني من ابتداء العقد وحتى تاريخ فسخه؛ يجعلُ من حق الفسخ -وفق الصياغة هذه- أمراً مجافٍ للمنطقية والعرض العقلاني للأحكام التعاقدية في رأيي، وهو أيضاً غيرُ متسقٍ مع أدبيات الصياغة.

ولما كانت اللغة -التي تصاغ بها الشروط والأحكام التعاقدية- هي العامل الجوهري في تجلية الأحكام التعاقدية وتوضيحها، وفي تحديد تلك الأحكام وتأطيرها، وفي العرض المتعقل لها؛ تبيَّنتْ الأهمية الرفيعة للغة ومكانتها الرفيعة في العقد. فاللغة وتطويعها هي الأداة الرئيسية التي يشكل بها صائغ العقد عقده. فبقدر إحكامه للتقنيات اللغوية، وبقدر مِراسه في تطويع تلك التقنيات لخدمة أغراضه، بقدر ما يكون العقد مفصحا عن إرادة الإطراف، ومجليَّاً أحسن جلاءٍ عن كنه اتفاقهم. وبالإضافة إلى اللغة كأداة، فإنه تتوافر أدوات أخرى لصائغ العقد لإحكام صنعته، كأداة التنظيم الجيد لوثيقة العقد ويدخل فيها التقسيم والترقيم والترتيب، والأداة الأخرى هي التسلسل المنطقي في عرض بنود العقد – كل عقدٍ بحسبه- ابتداءً من عنوان العقد وذكر أطرافه وحيثيات إبرامه وانتهاءً بذكر آلية فض النزاعات والنظام المطبق والولاية القضائية ثم الخانات المخصصة للتوقيع من قبل المفوضين بذلك.

وقد تطرق خبراء الصياغة القانونية إلى السمات الرئيسية التي ينبغي أن تصطبغ بها اللغة المستخدمة في صياغة العقود، كأن تكون اللغة واضحة من غير إبهام أو غموض، وأن تكون محددةً بأن يراعى في الصياغة تحديد نطاق المادة حتى يفهم منها ما يدخل فيها وما يخرجُ عنها، ولا يُدخلُ فيها ما ليس منها ولا تقصر عن الإحاطة بكامل المعنى المراد، وأن تكون دقيقة -قدر الإمكان- في الإفصاح عن الحكمِ المرادُ وضعُ المادةِ لإجله، وأخيرا أن تكون اللغة -في إسهابها- وسطاً بين الاختزال المخلِّ وبين التطويل المملِّ.

ويعتبر خبير الصياغة الدكتور محمود صبرة أحد الرواد الذين أثروا المكتبة العربية بمؤلفات متخصصة تتناول موضوع الصياغة القانونية ومجالاتها المختلفة كالصياغة التشريعية وصياغة العقود والاتفاقيات. ومن مؤلفاته ذات العلاقة كتاب: صياغة العقود بالعربية والانجليزية وأثر ذلك في كسب الدعاوي، وكتاب أصول الصياغة القانونية بالعربية والانجليزية. ومن المناسب الاطلاع على هذه المؤلفات لمن أراد استكشاف الأبعاد المختلفة لعملية الصياغة ومعرفة تأثير اللغة في العقود.

وهناك اتجاهٌ نحو تبسيط اللغة القانونية التي تصاغ بها الوثائق القانونية المكتوبة باللغة الانجليزية -أصالةً- ونحو تبسيط لغة العقود (Plain-Language contracts). وهذا الاتجاه يهدف إلى جعل القارئ العادي أو رجل الأعمال قادراً على فهم العقد ومدركا للالتزامات والحقوق المضمنة فيه دون كثير عناءٍ ودون الحاجة إلى تقليب النظر في بعض البنود مراتٍ عديدة لمحاولة فهمها. وأصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى تجريد العقود من الألفاظ الاصطلاحية القانونية -غير الضرورية- المرهقِ فَهْمُها على غير المتخصصين، ومن البنود المركبة تركيباً معقداً، ومن الألفاظ والتراكيب الوعرة والغريبة التي تتكاثر عادة في الوثائق القانونية، ومن العبارات والقيود والاستثناءات النمطية التي يكثر إيرادها في العقود دونما وجود تبرير مقنع لإضافتها. فعلى سبيل المثال، فإنَّك تقرأ كثيراً في العقود -بعد المقدمة والتمهيد- العبارةَ التاليةَ: وبناءً على ما سبق؛ فقد اتفق الطرفان “وهما بكامل الأهلية المعتبرة شرعا ونظاماعلى ما يلي. فوجود العبارة هذه “وهما بكامل الأهلية المعتبرة شرعا ونظاما” في العقود ليس لها في رأيي حاجة حقيقية تبررها؛ لأنه إذا كان أحد الأطراف في العقد ناقص الإهلية أو فاقدها حال توقيع العقد كأن يكون قاصراً أو مجنونا، وأراد وليُّ الطرف فاقدِ الأهليةِ الطعنَ في صحة العقد تأسيساً على فقدان الأهلية، واستطاع هذا الوليُّ أن يثبت -مادياً- لدى القاضي واقعة فقدان الأهلية؛ فإن القاضي سيبطل العقد نظراً لأن أحد طرفيه كان فاقداً للأهلية وقت إبرامه، ولن تقف هذه العبارة “وهما بكامل الأهلية المعتبرة شرعا ونظاما” حائلاً أمام القاضي في إبطال العقد لأن أحد أطراف العقد كان -في حقيقة الأمر- فاقداً للأهلية. أما إذا كان كافة أطراف العقد مكتملي الأهلية، فلن تضيف العبارة إلى العقد قوة أو يؤثر غيابها عليه ضعفاً، لأنه في حال ادعى أحد أطراف العقد أنه كان ناقص الأهلية وقت إبرامه للعقد، فإن القاضي سيكلفه بإثبات ذلك، فإن أخفق في الإثبات ولم تكن القرائن المحتفة بالعقد تقوي موقفه فإن القاضي سيصرف النظر عن دعواه (في القضاء السعودي لدينا، قد يطلب القاضي اليمينَ من المدعى عليه على أن المدعي لم يكن فاقداً الأهلية وقت إبرام العقد). وبالتالي فإن قضايا الطعن في صحة العقد بدعوى عدم الأهلية، سيتعامل معها القاضي كواقعة مادية تخضع لأدلة الإثبات وقواعده، وليس من المؤثر – في نظري- وجود نصٍّ في العقد يقرر كمال أهلية أطرافه. بينما في المقابل يهدف بعض صائغي العقود المتخصصين من إيراد النص الذي يقرر كمال أهلية المتعاقدين إلى التأكيد على أهليتهما، لأن كمال أهلية أطراف العقد هو من أركان العقد. وهذا المثال أوردته ليس لعينه، وإنما لإيضاح ما يرمي إليه مؤيدو الاتجاه بتبسيط لغة العقود وتجريدها مما لا حاجة إليه.

وأما الفوائد المجتناة – بوجهة نظرهم- من تبسيط اللغة المستخدمة في صياغة العقود، فلا تقتصر فحسب على تمكين أطراف العقد -دون كثير عناءٍ- من فَهم عقودهم التي أبرموها أو التي أوشكوا على إبرامها، وإنما تشمل أيضا تقليص المدة الزمنية التي تستغرقها المفاوضات والمفاهمات التي تسبق توقيع العقود.

وهذا الاتجاه نحو تبسيط اللغة المستخدمة في صياغة العقود، ظهر كردة فعلٍ على التعقيد المتكلِّف -غير الضروري في وجهة نظر مؤيدي هذا الاتجاه- الذي اصبطغت به وتلبست به الوثائق القانونية على اختلاف أنواعها حتى عُرفتْ به.

وفي رأيي، أن ظاهرة التعقيد في لغة العقود هي أكثر إلحاحا ووضوحاً في العقود الإنجليزية منها في العقود العربية، لخصائص عدةٍ اتسمت بها صياغة المحامين الأنجليز وتأثر بها المحامون الأمريكيون. وقد توسَّع البروفسور ريتشارد ويديك في ذكر هذه الخصائص في ورقته العلمية المنشورة بتاريخ 1978م، بعنوان “المحامون واللغة المبسطة” (Plain Language For Lawyers). وهذه الخصائص لخصها البروفسور ريتشارد، بأن اللغة الصياغية -التي درج على استعمالها المحامون الأنجليز ومن ثم الأمريكيون- مولعةٌ بالابتعاد عن اللغة المعاصرة، وذلك باستخدام ألفاظٍ وعبارات وتراكيب موغلةٍ في القدم، وأنها كذلك مسرفةٌ في طول جملها دون حاجة تبرر هذا الطول، وأنها مهووسةٌ بتكرار نفسها وترديد ذات الأحكام مرة بعد أخرى = حتى نتج عن هذه اللغة أسلوبٌ كتابيٌّ “مُطنِبٌ، ومُضْجرٌ، واستعراضيٌّ مُتشدِّقٌ، وغامضٌ مُبهَمٌ”، وحتى استعصى فهمُ الوثائق القانونية المصوغة بهذه اللغة على المخاطبين بها. مما حدا بالرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر أن يصدر قراراً في سنة 1978 م، بأنه يتوجب على الجهات الفدرالية التنفيذية أن تكون تشريعاتها الجديدة مكتوبة بلغة مبسطة “يمكن فهمها من قبل الأشخاص الذين يُطلبُ منهم التقيُّدَ بها”.

وكأني أرى في خصائص اللغة الصياغية التي وصفها البروفسور ريتشارد شبهاً بما ذمَّه نبينا صلَّى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ” إنما من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدِّقون، والمتفيهقون” قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيقهون؟ قال: “المتكبِّرون“. قال ابن القيم رحمه الله: والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه، الذي يتكلم بملء فمه تفاصحًا وتعاظمًا وتفخمًا، والمتفيهق أصله من الفهق، وهو الامتلاء، فهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به تكبرًا وارتفاعًا، وإظهارًا لمعرفته على الآخرين. [حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: 13/91 – نقلا من موقع الإسلام سؤالٌ وجوابٌ]. وقد قال الأمام النووي رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: يُكره التقعير في الكلام بالتشدُّق، وتكلف السجع، والفصاحة المبالغ فيها، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول فكل ذلك من التكلف المذموم، … بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظًا يفهمه صاحبه فهمًا جليًا، ولا يستثقل“. [الأذكار للنووي: 1/471 – نقلا من موقع الإسلام سؤالٌ وجوابٌ]. فاللغة التي تقصد إلى إفهام المخاطبين بها، دون تكلِّفٍ أو تطويلٍ غيرِ مبررٍ أو حشوٍ متصنَّعٍ أو إبهامٍ، لغةٌ محمودةٌ. وعكسها لغةٌ مذمومةٌ.

وقد حكى البروفسور ريتشارد قصةً ظريفةً عن لوردٍ انجليزيٍ في القرن السابع عشر، أَودعَ أحد الأشخاص في محكمته عريضةً أو وثيقةً مسهبةً تتجاوز صفحاتها المئة والعشرين صفحةً. فكأن طولَ هذه الوثيقة -المبالغ فيه- قد استفزَّ اللورد الانجليزي وأثارَ غيظه؛ فأرادَ أن يجعل من كاتبها عبرةً لمن يعتبر. فأمر بأن يُثقب في منتصف الوثيقة ثقباً يمر خلال كافة صفحاتها المئة والعشرين، وأن يكون هذا الثقب متسعاً بما يكفي لرأس الانسان. ثم أمر بإحضار كاتب هذه الوثيقة، وإدخال رأسه من خلال الثقب حتى تكون الوثيقة محيطةً برقبتهِ إحاطةَ القلادة بالعنق! ثم أمرَ بأن يطافَ بهذا المسكين في أرجاء المحكمةِ ليشهدَ أمرَه كلُّ من كان حاضراً ذلك اليوم.

ولكن في المقابل، فإن الوثائق القانونية والعقود والأنظمة المكتوبة -أصالةً- باللغة العربية، لا تجد فيها مستوى التعقيد والتكلُّف الذي وُصفتْ به الوثائق القانونية المكتوبة باللغة الانجليزية. فأكثرُ الأنظمة السعودية -على سبيل المثال- وهي مكتوبةٌ أصالةً باللغة العربية، يمكن للقارئ العربي غير المتخصِّص أن يفهم مجمل أحكامها. ويمكنك أن تختبر هذا الأمر بعرض نسخةٍ من النظام الأساسي للحكم أو نظام العمل السعودي أو نظام المرافعات الشرعية -وهي وثائق قانونية سعودية مكتوبةٌ أصالةً باللغة العربية- على قارئ عربيٍ غير متخصصٍ قانونياً. ستجد أنه يستطيع فهم مجمل الأحكام الواردة في هذه الوثائق القانونية دون عناءٍ شديدٍ. ولست أدعي هنا أن الوثائق القانونية – المكتوبة أصالةً باللغة العربية- تخلو من التعقيد والتكلَّف والإبهام، لكني فقط أُبيٍّنُ أن ظاهرة التعقيد اللغوي في الوثائق القانونية الإنجليزية أكثر إلحاحاً وأشدُّ وطأةً منها في العربية.

وأحب أن أشير في هذا الصدد إلى مقالة مثيرة نشرتها هارفرد بيزنس ريفيو من تأليف شون بورتون (Shawn Burton) وعنوانها (The Case for Plain-Language Contracts) وقد كتبها تأييدا للاتجاه بأن تكون لغة العقود مبسطةً. وقد دعم مقالته بتجربة عملية قام بها حينما كان مستشارا قانونيا عاما لوحدة الخدمات الرقمية في إحدى الشركات التابعة لجينرال الكتريك، حيث أنه قبل تعيين شون بورتون بمدة وجيزة، دُمجت في وحدة الخدمات الرقمية أعمال ثلاث قطاعات مختلفة، وكل قطاع من هذه القطاعات كان لديه عقدٌ قياسيٌّ يحتوي على شروط وأحكام تقديم الخدمات الخاص بذلك القطاع. هذه العقود القياسية كانت تستنزف أشهرا من المفاوضات والتعديلات مع العملاء، وتستنزف وقتا ثميناً من فريق العمل القانوني والتجاري. وبالتالي كان الحل الذي تفتق عنه ذهن شون بورتون وفريقه هو في تحويل العقود الثلاثة (وأربعة عقود أخر) ودمجها في عقد قياسي واحد فقط. ولكن لم يكن الهدف من حلهم هذا بقتصر على الدمج وإعادة الصياغة فقط، وإنما كان الهدف والمعيار الحقيقي الموجه لعملهم هو أن يتمكن أي شخصٍ (ذي تأهيل عالٍ وليس متخصصا قانونياً) من فهم كامل العقد دون عناء، ولم يغفلوا بطبيعة الحال ضرورةَ أن يحمي العقدُ مصالحَ شركتهم. وبعد أشهرٍ من العمل، نجحوا في إكمال المسودة الأولى بعدد من الصفحات لا يتجاوز الخمس صفحات! حتى أنه من الطريف أن أحد المواد القانونية في العقد (مادة الامتثال للقوانين) كان مقدارها في العقود السابقة يتجاوز الأربعمئة كلمة، وأصبحت في المسودة الجديدة -دون التفريط بطبيعة الحال بجوهر المادة- لا تتجاوز العشرين كلمةً!

في الصورة عقد جينرال الكتريك قبل مشروع التبسيط وبعد مشروع التبسيط الذي أداره شون بورتون

وبعد اعتماد العقد القياسي الجديد لدى وحدة الخدمات الرقمية، كرَّس شون بورتون وفريقه انتباهم للتحقق من فرضيتهم بشأن مساهمة العقد القياسي الجديد المكتوب بلغة مبسطة في تقليص مدة المفاوضات. والنتيجة المبهرة أن العقد القياسي الجديد صار يستغرق وقتاً للتفاوض أقلَّ بستين بالمائة عن العقود القياسية السابقة!

وفي المقابل، فإن الاتجاه نحو تبسيط اللغة القانونية المستخدمة في صياغة العقود لا يخلو من بعض الاستشكالات التي لها ما يبررها وينبغي أخذها بعين الاعتبار. من هذه الاستشكالات، أن الصياغة النمطية لمادة من المواد – رغم ما يشوبها من تعقيد صياغي أو ما يكتنفها من احترازات أو استثناءات أو اشتراطات أو تقييدات- هي نتاج لعملية تراكمية عبر زمن طويلٍ نسبياً من الجهد الصياغي ومن الممارسة العملية ومن التعاطي القضائي مع الصياغات المختلفة لهذه المادة، وبالتالي ، فإن أكثر هذه المحترزات والاستثناءات ونحوها – وفقا لهذا الفهم- إنما تكوَّنت وأُضيفت إلى الصياغة النمطية لوجود سببٍ يقتضيها وحاجةٍ تدعو إليها، إما استمداداً من حكم قضائيٍ سابقٍ أو تّجنُّباً لتفسير قضائي معيَّنٍ أو سدًّا لثغرة تعاقدية كشفتْ عنها الممارسة العملية السابقة. فإذا لم يتبينْ صائغُ عقدٍ ما وجهَ الأهمية من احترازٍ أو استثناءٍ أو شرط أو تقييدٍ في الصياغة النمطية لإحدى المواد، فإن ذلك لا يلزم منه ألا يكون لهذا الاحتراز أو نحوه أهميةٌ في صياغة المادة لأن عدم العلم بالشيء لا يعني علماً بعدم ذلك الشيء أو دليلاً على عدمه فلو افترضنا أن أحدهم لا يعلم أن مدينة الخبر تقع في المملكة العربية السعودية؛ فإن عدم علمه هذا لا يعني ولا يلزم منه أن مدينة الخبر ليست في المملكة العربية السعودية، بل قد تكون مدينة الخبر تقع في المملكة العربية السعودية (وهي كذلك فعلاً) بغض النظر عن علمه.

ومن هذه الاستشكالات الواردة على الاتجاه نحو تبسيط اللغة القانونية في العقود، أنه على فرض التسليم بأن الصياغة النمطية لمادة من المواد قد نجحت – رغم ما يشوبها من تعقيد- في التعبير الصحيح عن الحكم التعاقدي الموضوعة لأجله وذلك نتيجة مرورها بالعملية التراكمية المشار إليها أعلاه، فكيف يمكننا أن نتحقق من أن الصياغة المبسطة لمادة تقليدية قد نجحت (أو ستنجح) في التعبير الصحيح عن الحكم التعاقدي الموضوعة لأجله؟ هل تتطلب مهمة التحقق هذه أن تمر الصياغة المبسطة بعملية تراكمية شبيهة بالتي أنتجت الصياغة النمطية حتى يمكننا بعد ذلك تبني الصياغة المبسطة؟ إذا كان متطلباً لتبني الصياغة المبسطة تعريضُها إلى عملية تراكمية، فإن مؤدى ذلك أن الزمنَ – الطويل نسبياً- عاملٌ مطلوبٌ بالضرورة للتحقق من مدى نجاح الصياغة المبسطة في التعبير عن الحكم التعاقدي، وتطلُّب الزمن للتحقق من الملائمة قد يكون في ذاته حاجزاً يحول دون التقبل والتبني السريع لأي صياغة مبسطة تقترح كبديلٍ عن صياغة نمطية معقدة.

وهناك استشكالات أخرى ترد على الاتجاه نحو التبسيط، وهناك في المقابل أجوبة عليها، لكن المقصود هو عرض الاتجاه وإثارة بعض النقاط له وعليه للتأمل والنقاش وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.

وأختم هنا بما أميل إليه شخصياً أنه ينبغي التركيز في صياغة العقود على السمات الرئيسية للغة الصياغية كأن تكون واضحةً، محددةً، دقيقةً، وسطاً بين التطويل والاختزال، وأن يُتقيَّد كذلك بالصياغة النمطية للمواد ما أمكن. لأن مراعاة الصياغة النمطية للمواد أضمن في التعبير الصحيح عن الأحكام التعاقدية. وفي حال تطلَّب عقدٌ ما أو حالُ ما تبسيطَ الصياغة النمطية لمادة معينة، فينبغي الاستعانة بالصياغة النمطية لتلك المادة والتعامل معها كمرجع استرشادي للتعرف على جوهر المادة وبنيتها الأساسية وأهم الاحترازات أو القيود التي ينبغي مراعاتها في الصياغة المبسطة. وأساسُ ميلي الشخصي النظرُ في الدور الرئيس للغة الصياغية في العقود، وهو تجلية الأحكام التعاقدية وتوضيحها، وتحديد تلك الأحكام وتأطيرها، والمنطقية في عرضها. فمتى ما كانت اللغة الصياغية محققةً لدورها الرئيس، فلا غضاضة بعد ذلك إن شابها شيءٌ من التعقيد، بشرط ألا يؤدي ذلك التعقيد إلى أن تستعصي اللغة الصياغية على فَهم المخاطَبِين بها؛ لأن استعصائها على فَهم المخاطَبِين بها دليلٌ على أنها تلك اللغة قد أخفقتْ في تحقيق دورها الرئيس من بيان الأحكام التعاقدية وتوضيحها.

شوال 1440هـ