التمييز والوصفية في العلامات التجارية

لبُّ المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية يكمن في أنها حقوق قانونية تمكُّن المنشأة (أو الأفراد) من “تمييز” منتجاتها عن منتجات غيرها من المنافسين، وذلك بوضع شعارات خاصة أو كلمات فريدة أو إشارات مميزة على تلك المنتجات، بحيث يكون استخدام هذه الشعارات أو الكلمات أو الإشارات حصراً على الشركة التي استخدمتها وسجلتها. فالتمييز، والحصرية؛ هما أساسا المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية؛ حيث أن وظيفة “التمييز” تحدد مدى المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية، وذلك عندما يتعرف العميل على منتجات المنشأة بصورة مباشرة بدون أن يقع في الخلط واللبس، بينما مبدأ “الحصرية” يمكِّن المنشأة أن تبني في شعور العميل علاقات “associations” طويلة الأمد وعميقة الأثر بين العلامة التجارية وبين العميل مثل ارتباط العلامة التجارية بالجودة والموثوقية والخصوصية، وذلك من خلال أنشطة واعية لبناء هذه العلاقات عن طريق ما يسمى بـ “الإيسام – “branding

ولبناء علامة تجارية لها مركز قانوني قوي وفق قوانين العلامات التجارية المطبقة؛ ينبغي التوجه – عند ابتكار العلامة التجارية- نحو العلامة التي تحقق وظيفة التمييز قدر الإمكان، وتلافي العلامات التي تتجه نحو الوصفية والمباشرة أو الأوصاف أو المسميات الشائعة للمنتجات.

ومن حسن الحظ أن هناك أداة تساعد على تقييم مدى تميز العلامة التجارية وفرادتها مقابل مدى وصفيتها ومباشرتها. هذه الأداة تسمى “منحنى التميُّز” Spectrum of Distinctiveness (وهي المعروضة في الشكل أدناه)، ومن فوائد فهم هذه الأداة واستخدامها عند اختيار العلامة التجارية -بحيث تستبعد العلامات غير المميزة- تحسينُ جودة قرار التسجيل، ومن شأنه أن يضمن أن تكون العلامة التجارية المختارة علامة مميزة ذات قوة قانونية وفق قوانين العلامات التجارية.

الشكل: منحنى التميُّز Spectrum of Distinctiveness

Source: https://selvams.com/blog/understanding-the-trademark-distinctiveness-spectrum/

ومنحنى التميز يحتوي على خمسة أقسام، وكل قسم يختلف في قوته القانونية عن الآخر، وهذه الأقسام مرتبة بحسب القوة والضعف من الأضعف إلى الأقوى كما يلي:

  1. المسميات العمومية: ويقصد بها العلامات التي تحاول احتكار وتسجيل أسماء هي في أصلها المسمى الذي يطلقه عموم الناس على المنتج أو الخدمة التي ستسجل العلامة من أجلها، وذلك مثل محاولة شركة تسجيل كلمة “القهوة” أو “القهوة السوداء” كعلامة تجارية لمنتجات القهوة لديها، أو محاولة شركة منتجة للألبان أن تسجل كلمة “لبن” كعلامة تجارية لمنتجاتها من الألبان. والمسميات العمومية لا يمكن قانوناً تسجيلها كعلامات تجارية، لأن تسجيلها يضر بعموم الناس والمنشآت التي لديها منتجات مشابهة على أساس أن السماح بالتسجيل يمنح مالك العلامة احتكارية غير مشروعة لاسم عام تعارف الناس على اطلاقه على منتج أو خدمة.
  2. الأوصاف الشائعة: ويقصد بها العلامات التي تحاول تسجيل أسماء أو أوصاف هي في أصلها من الأوصاف الشائعة التي يستخدمها عموم الناس لوصف المنتج أو الخدمة التي ستسجل العلامة من أجلها، وذلك مثل محاولة سلسة من المطاعم تسجيل كلمة “لذيذ” أو “طازج” كعلامة تجارية لمطاعمها، أو محاولة شركة منتجة للمياه العذبة المعلبة أن تسجل كلمة “نقي” أو “عذبة” كعلامة تجارية لمنتجاتها من المياه المعلبة. والمسميات الشائعة لا يمكن قانوناً تسجيلها كعلامات تجارية – رغم أنها بصفة عامة أقوى من المسميات العمومية وفق منحنى التميُّز-، لأن تسجيلها يضر بعموم الناس والمنشآت التي لديها منتجات مشابهة على أساس أن السماح بالتسجيل يمنح مالك العلامة احتكارية غير مشروعة لوصف شائع تعارف الناس على استخدامه لوصف تلك المنتجات.
  3. العلامات الاقتراحية أو الإلماحية: وهي علامات رغم أنها ليست مسميات عمومية أو أوصافاً شائعة، ولكن يُفهم منها طبيعة المنتجات أو الخدمات التي تغطيها، فعلاقتها بمنتجاتها قائمة على أساس الاقتراح والإلماح وليس على أساس الوصفية والمباشرة. ومثالها علامة “شاورمر” لسلسة مطاعم رائجة في السعودية لتحضير ساندويتشات اللحم والدجاج المسماة عرفاً بـ “الشاورما”، حيث أن المستهلك في السعودية يفهم من هذه العلامة أن الشركة متخصصة في تحضير ساندويتشات الشاورما. ومثالها أيضا علامة “برقرايزر” لسلسة مطاعم رائجة أيضا في السعودية لتحضير شطائر البرقر، حيث أن المستهلك في السعودية يفهم من هذه العلامة أن الشركة متخصصة في تحضير البرقر. ومثاله أيضا علامة “بيت الدونات” لشركة سعودية لديها سلسلة من المحلات لتحضير وبيع الدونات والقهوة. وقد يدخل في هذا القسم علامة “جاهز” المستخدمة على تطبيق شهير لتوصيل الطلبات. وهذا القسم يقع في المنتصف من منحنى التميُّز، في منطقة رمادية محايدة تخضع لتقدير فاحص العلامة التجارية بالقبول والرفض؛ فبينما أن القسمين الأولين ممنوعان من الحماية القانونية بموجب نظام العلامات التجارية، والقسمين التاليين (الرابع والخامس) مسموحٌ حمايتهما قانوناً؛ يتأرجح هذا القسم بين السماح والحظر، والحماية والإباحة، وذلك لأن العلامات الاقتراحية قائمة على محاولة الموازنة بين أمرين أولهما الاقتراح والإلماح إلى طبيعة المنتجات مع تجنب الوصفية والمباشرة في العلامة التجارية.
  4. العلامات الجدلية: وهي علامات تستخدم كلمات أو إشارات معهودة شائعة ولكن على منتجات أو خدمات ليست ذات علاقة أو ارتباط بها. ومثالها علامة “كريم” المستخدمة على تطبيق شهير لتوصيل الركاب، حيث أن كلمة كريم هي كلمة معروفة شائعة؛ لكن استخدامها على تطبيق لتوصيل الركاب ليس استخداماً شائعاً أو معهوداً، بل هو استخدام جدلي يثير التساؤل. وهذه الجدلية والتساؤل في ارتباط العلامة التجارية بالخدمات والمنتجات ذات العلاقة هما ما يعززان قوة العلامة التجارية من الناحية القانونية. ومثالها أيضا علامة “خطوة جمل” التي تستخدمها شركة سعودية متخصصة في تحميص وتحضير القهوة المختصة. والعلامات الجدلية هي علامات قوية من الناحية القانونية لأنها تتجنب الوصفية والمباشرة والإلماح.
  5. العلامات المخترعة: وهي علامات تستخدم كلمات أو إشارات مبتدعة ليس لها وجود سابق في اللغة، ومثالها علامة “نادك” التي تستخدمها شركة الألبان السعودية الشهيرة، وعلامة “سابك” وعلامة “أرامكو” الشهيرتان. فهذه الكلمات ليس لها وجود سابق، و إنما اكتسبت الوجود باستخدامها في العلامات التجارية من قبل تلك المنشآت. وهذا النوع من العلامات التجارية يعدُّ الأقوى قانونياً نظراً لانعدام الارتباط بين العلامة التجارية والمنتجات التي تغطيها قبل استخدام المنشأة لهذه العلامة.
    أخيراً فإن مهمة ابتكار علامة تجارية يمكنها أن تؤدي وظيفة التمييز على نحو جيد – رغم أنها تبدو يسيرة- لكنَّها في واقع الأمر تفرض تحدياتها وموازناتها الدقيقة على عاتق مبتكري العلامات التجارية، وذلك لأن معيار التميُّز المطلوب في العلامة التجارية له اعتبارات قانونية تشريعية قد تختلف أو تتعارض مع بعض الدوافع التسويقية التي تتجه نحو الوصفية والمباشرة وليس الابتكار والإلماح. ومن شأن فهم منحنى التميُّز بأقسامه الموضحة أعلاه واستخدامه عند ابتكار العلامة التجارية أن يعزِّز فرصة كون العلامة التجارية المختارة علامةً مميزةً وقويةً قانونياً.

أحمد التميمي
12 جمادى الآخرة 1444هـ – 5 يناير 2022