
بدأت علاقتي بالملكية الفكرية في مرحلة مبكرة من عمري حينما كنت أكتب الشعر في السادسة عشرة من عمري. كنت بدأت الإحساس حينها بمعنى أن تكون هذه الأبيات من تأليفي الخاص، وتلك الأبيات من تأليف شاعرٍ آخر، وكنت أدرك حينها -رغم جهلي ذلك الوقت بقوانين حماية حق المؤلف وحقوق النشر- بأن نسبة أبيات شاعر ما إلى كونها من نظمي أو اقتباس أبيات وضمها لقصيدتي دون توضيح هذا الأمر يعد أمراً غير سائغ ولا مقبولٍ. كذلك كنت أدرك أن القصائد التي أكتبها يجب أن تذيَّل باسمي حتى احتفظ بحقي الأدبي فيها. وتعمَّقت معرفتي بالملكية الفكرية، عندما شرعت في طباعة ديواني الشعري وما سبقه من إيداع نسخة منه في المكتبة الوطنية والحصول على شهادة الإيداع – والتي تعد عنصراً في إثبات الأسبقية إلى إنشاء عمل تأليفي معين-.
ثم توسعَّت معرفتي بالملكية الفكرية عندما درست الماجستير في القانون في جامعة مينسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت إحدى المقررات الاختيارية المطروحة التي درستها هو مقرر يسمى الإدارة الاستراتيجية للملكية الفكرية، وكان ضمن مقررات مرحلة الماجستير التي لا تستهدف طلبة القانون فقط، بل تستهدف أيضا طلبة ماجستير إدارة الأعمال. وبالتالي كان الطلبة الذين يحضرون هذا المقرر يتنوعون بين متخصصي القانون وبين متخصصي الأعمال التجارية. وقد رأيت في حضور هذا المقرر أمراً مهماً وفرصة لا تفوَّت. وقد كان هذا المقرر – على وجازته- من أهم المقررات التي درستها في مرحلة الماجستير، وفتح لي آفاقاً من الممارسة بعدها حينما عدت إلى الرياض بحمد الله.
ومما تعلمته في هذا المقرر، أن حقوق الملكية الفكرية ليست فقط شؤونا قانونية وإنما هي أيضا أدوات تجارية ووممكنات ضرورية للتنافس في اقتصادات حيوية ديناميكية قائمة على المعرفة والانتاج الفكري والإبداعي والصناعي.
ومما تعلمته أن الحصول على حقوق الملكية الفكرية في القطاعات التجارية هو أمر ضروري تحتمه طبيعة المنافسة والعوامل التجارية الأخرى كالجانب التسويقي والجانب الاستئثاري. وهذا الجانب من الملكية الفكرية، سأتطرق له بشكل منفصل في مقالات لاحقة بإذن الله تعالى.
وكذلك مما تعلمته أن الحصول على حقوق الملكية الفكرية في القطاعات التجارية، هو في حقيقته محكومٌ بمنظومة اتخاذ قرار قائم على مقارنة المنفعة المتوقعة من التسجيل بالتكلفة (Cost/Benefit analysis). والتكلفة تنقسم إلى قسمين: تكلفة تسجيل أو الحصول على حق ملكية فكرية، ويدخل فيها الرسوم الحكومية وتكاليف المستشارين، وتكلفة عدم التسجيل أو الحصول على حق ملكية فكرية ويدخل في ذلك خطر الاعتداء على حق ملكية فكرية. أي أن قرار الحصول على حق ملكية فكرية في منشآت القطاع الخاص هو قرار تجاري يخضع للاعتبارات التجارية -ودون إلغاء للاعتبارات القانونية بطبيعة الحال-، ويهدف في نهاية المطاف إلى تعظيم الربحية واستدامة العمل التجاري وتقوية مركز المنشأة المالي والتنافسي. مما يؤكد مفهوماً ومبدأً من المبادئ الرئيسية في الملكية الفكرية؛ وهو أن الملكية الفكرية ليست شأنا قانونياً بحتاً، وإنما هو قرار تجاري (واستثماري) يستند على عدد من الاعتبارات الرئيسية التي تشمل فيما تشمل الاعتبارَ القانوني.
إضافةً إلى ذلك، فإن حقوق الملكية الفكرية تعدُّ من الأصول (غير الملموسة مثل السمعة) التي تتكون منها المنشأة، وذلك في مقابل الأصول الملموسة مثل المعدات والأراضي. ولذلك، فإن قرار تسجيل ملكية فكرية لحق فكري معين -كما أنه قرار تجاري يدخل فيه البعد القانوني- هو أيضاً قرار استثماري مجاله تقرير ما إذا كان تَملُّك الأصل غير الملموس / حق الملكية الفكرية مجدٍ تجارياً للمنشأة.
باختصار: تعلمت أن حقوق الملكية الفكرية ليست أموراً قانونية يختص بها القانونيون، بل هي أدوات اقتصادية ووممكنات تجارية ترتكز عليها صناعات واقتصادات ضخمة، وتستحق أن تكون محل الاهتمام من الجميع.
أحمد التميمي
15 ذو القعدة 1442
25 يونيو 2021
