الملكية الفكرية في التعاملات التجارية – الجزء الثاني

اختلاف السياقات واختلاف الحوافز

تطرقنا في الجزء الأول من السلسلة إلى أن حقوق الملكية الفكرية ليست فقط شؤونا قانونية وإنما هي أيضا أدوات تجارية وممكِّنات ضرورية للتنافس في اقتصادات حيوية ديناميكية قائمة على المعرفة والانتاج الفكري والإبداعي والصناعي. وتناولنا كذلك، أن قرار تسجيل ملكية فكرية في المنشآت التجارية يعدُّ من قبيل القرارات التجارية أو الاستثمارية التي يُشكِّل البعدُ القانوني إحدى معطيات اتخاذ القرار، ولكن دون أن يستأثر البعد القانوني وحده بكافة معطيات اتخاذ القرار. وهذه الملاحظة المهمة، تُلمحُ إلى أن المستشار القانوني المختص بالملكية الفكرية ينبغي عليه أن يكون ملماً بكافة الأبعاد الأخرى التي يستند عليها القرار التجاري بشأن تسجيل ملكية فكرية في منشأة تجارية، حتى تتسمَ استشارته القانونية – في هذا الصدد- بملائمتها للسياق التجاري، ولإضفاء صبغة الإقناع عليها، وحتى تحتوي على الافتراضات التجارية المهمة التي قد تؤثر في اتجاه الاستشارة القانونية، وحتى تساعد العميل في نهاية المطاف بأن يتخذ قرارا مدروساً على نحو يحقق مصلحته التجارية.

وأودُّ أن أؤكد على ملاحظةٍ مهمةٍ، وهي أن التعامل مع الملكية الفكرية (أي التعامل الاستراتيجي الذي ينطوي على دراسة جدوى تسجيل حق فكري، واتخاذ قرار بشأن التسجيل) يختلف باختلاف القطاعات – سواء كانت تجارية أو غير تجارية- التي يتم التعامل مع الملكية الفكرية في سياقاتها وضمن منظوماتها. ولتوضيح الفرق بين التعامل مع الملكية الفكرية في السياق التجاري وبين التعامل مع الملكية الفكرية في السياقات الأخرى غير التجارية؛ سأتطرق إلى السياق الأكاديمي، وكيف أن الملكية الفكرية التي تنتج ضمن السياق الأكاديمي تختلف عن نظيرتها التي تنتج ضمن السياق التجاري.

أنواع الحقوق الرئيسة المرتبطة بالملكية الفكرية

وكمدخلٍ لتوضيح اختلاف التعامل مع الملكية الفكرية عند اختلاف السياقات، تجدر الإشارة إلى أنواع الحقوق الرئيسة التي ترتبط بالملكية الفكرية، وهي:

  1. الحقوق الأدبية: وتعني في جملتها نسبة الشيء المحمي بالملكية الفكرية إلى من أبدعه وأنتجه، كأن يقال هذه الرواية كتبها فلان، وهذه اللوحة الفنية رسمتها فلانة.
  2. الحقوق الاستئثارية. وتعني حقَّ مالك الشيء المحمي بالملكية الفكرية في الانتفاع والاستغلال التجاري لهذا الشيء وتحصيل عوائد من ورائه؛ كأن يمنح مؤلف الرواية حق الإنتاج السينمائي للرواية (تحويل الرواية لعمل سينمائي) لإحدى الشركات مقابل نسبة من إيرادات العمل السينمائي. وهذا يحاكي ما فعلته الكاتبة البريطانية ج. ك. رولنغ عندما منحت حق تحويل رواياتها – التي تحكي قصة الفتى الساحر هاري بوتر– إلى سلسلة من الأفلام الشهيرة والتي حققت عوائد ضخمة استفادت منها الكاتبة.

أنواع الحقوق الناشئة عن الملكية الفكرية وتطبيقها على الشعر العربي

ويمكن تطبيق التقسيم أعلاه للحقوق الرئيسة المرتبطة بالملكية الفكرية، على الشِّعر والشعراء في العصور السابقة. حيث كان الشِّعر – في ثقافتنا العربية- يعدُّ من أهم صور الإنتاج الإبداعي لدى العرب. وكان الشِّعراء حينها منهم من يقول القصيدة قاصداً منها الاستغلال التجاري والانتفاع منها، ومنهم من يقول القصيدة لأغراض أدبية معنوية لا يقصد منها الانتفاع المادي/الاقتصادي.

وهذا النوع من القصائد التي يقصد بها الانتفاع المادي/الاقتصادي، يمكن تمييزه في القصائد التي يكون غرضها المديح لأحد الأمراء، والتي يشيد الشاعر فيها بالكرم البالغ للأمير، ثم يُلمحُ الشاعر – في ذات القصيدة- إلى شدة حاجته، وانعقاد أمله بعطاء الأمير الذي يسعده العطاء. وإن كان الشاعر في مثل هذه القصائد لا يشرعُ مباشرةً في المدح، بل يحعل له مدخلاً رقيقاً يتوصل به إلى قصده، كأن يتغزّلَ في محبوبه، أو يتأسى على أرضٍ فارقها وهو لها محب. وأُمثِّل لهذا النوع بالقصيدة الجميلة للشاعر ابن الخيَّاط (توفي 517هـ) في مدح أمير الجيش أبق بن عبدالرزاق الملقَّب بـ عضب الدولة. وقد ابتدأها بمدخلٍ رقيق لطيف فقال:

خُذا مِنْ صَبا نَجْدٍ أَماناً لِقَلْبِهِ *** فَقَدْ كادَ رَيّاها يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وَإِيَاكُما ذاكَ النَّسِيمَ فَإِنَّهُ *** إِذا هَبَّ كانَ الْوَجْدُ أَيْسَرُ خَطْبِهِ
خَلِيلَيَّ لَوْ أَحْبَبْتُما لَعلِمْتُما *** مَحَلَّ الْهَوى مِنْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرَ وَالذِّكْرى تُشُوقُ وَذُو الْهَوى *** يَتُوقُ وَمَنْ يَعْلَقْ بِهِ الْحُبُّ يُصْبِهِ
غَرامٌ عَلَى يَأْسِ الْهَوى وَرَجائِهِ *** وَشَوْقٌ عَلى بُعْدِ الْمَزارِ وَقُرْبِهِ
وَفِي الرَّكْبِ مَطْوِيُّ الضُّلُوعِ عَلَى جَوىً *** مَتى يَدْعُهُ داعِي الْغَرامِ يُلَبِّهِ
إِذا خطَرْتَ مِنْ جانِبِ الرَّمْلِ نَفْحَةٌ *** تَضَمَّنَ مِنْها داءَهُ دُونَ صَحْبِهِ
أَغارُ إِذا آنَسْتُ فِي الْحَيِّ أَنَّةً *** حِذاراً وَخَوْفاً أَنْ تَكُونَ لِحُبِّهِ
وَلَسْتُ عَلَى وَجْدِي بِأَوَّلِ عاشِقٍ *** أَصابَتْ سِهامُ الْحُبِّ حَبَّةَ قَلْبِهِ

ثم شرع ابن الخيَّاط – في القصيدة نفسها- في مدح عضب الدولة، وجعل لبَّ المديح منصباً على كرمه وسخائه وجوده (والتركيز على خصلة الكرم في الممدوح – دون غيرها من الخصال- تأكيدٌ على الجانب الاقتصادي “التعاقدي؟” في الغرض من القصيدة، لأن الشاعر في هذا الحالة ينتظر من الممدوح أن يجسِّد هذه الخصلة بالإغداق على الشاعر من ماله وعطاياه):

وَأَسْمُو عَنِ الآمالِ هَمَّاً وَهِمَّةً ***سُمُوَّ جَمالِ الْمُلْكِ عَنْ كُلِّ مُشْبِهِ
هُوَ الْملْكُ يَدْعُو الْمُرْمِلِينَ سَماحُهُ *** إِلى واسِعٍ باعَ الْمَكارِمِ رَحْبِهِ
يُعَنَّفُ مَنْ لَمْ يَأْتِهِ يَوْمَ جُودِهِ *** وَيُعْذَرُ مَنْ لَمْ يَلْقَهُ يَوْمَ حَرْبِهِ
أغَرُّ غِياثٌ لِلأَنامِ وَعِصْمَةٌ *** يُعاشُ بِنُعْماهُ ويُحْمى بِذَبِّهِ
لَئِنْ خَصَّ مِنْكَ الْفَخْرُ ساداتِ فُرْسِهِ *** لَقَدْ عَمَّ مِنْكَ الْجُودُ سائِرَ عُرْبِه
وَأَسْمُو عَنِ الآمالِ هَمَّاً وَهِمَّةً *** سُمُوَّ جَمالِ الْمُلْكِ عَنْ كُلِّ مُشْبِهِ
هُوَ الْملْكُ يَدْعُو الْمُرْمِلِينَ سَماحُهُ *** إِلى واسِعٍ باعَ الْمَكارِمِ رَحْبِهِ
يُعَنَّفُ مَنْ لَمْ يَأْتِهِ يَوْمَ جُودِهِ *** وَيُعْذَرُ مَنْ لَمْ يَلْقَهُ يَوْمَ حَرْبِهِ
أغَرُّ غِياثٌ لِلأَنامِ وَعِصْمَةٌ *** يُعاشُ بِنُعْماهُ ويُحْمى بِذَبِّهِ
لَئِنْ خَصَّ مِنْكَ الْفَخْرُ ساداتِ فُرْسِهِ***لَقَدْ عَمَّ مِنْكَ الْجُودُ سائِرَ عُرْبِه

ثم أخيراً – في القصيدة نفسها-، ألمح ابن الخيَّاط إلى حاجته وافتقاره – رغمَ تَصبُّره وتَعَفُّفه-:

مَضى زَمَنٌ قَدْ كانَ بالْبٌعْدِ مُذْنِباً *** وَحَسْبِي بِهذا الْقُرْبِ عُذْراً لِذَنْبِهِ
وَما كُنْتُ بَعْدَ الْبَيْنِ إِلاّ كَمُصْرِمٍ [أي مفتقرٍ] *** تَذَكَّرَ عَهْدَ الرَّوْضِ أَيامَ جَدْبِهِ
وَعِنْدِي عَلَى الْعِلاّتِ دَرُّ قَرائِحٍ *** حَوى زُبَدَ الأَشْعارِ ما خِضُ وَطْبِهِ
وَمَيْدانُ فِكْرٍ لا يُحازُ لَهُ مَدىً *** وَلا يَبْلُغُ الإِسْهابُ غايَةَ سَهْبِهِ
يُصَرِّفُ فِيهِ الْقَوْلَ فارِسُ مَنْطِقٍ *** بَصِيرٌ بِإِرْخاءِ الْعِنانِ وَجَذْبِهِ
ذَخَرْتُ لَكَ الْمَدْحُ الشَّرِيفَ وَإِنَّما *** عَلَى قَدْرِ فَضْلِ الزَّنْدِ قِيمَةُ قُلْبِهِ
فَجُدْهُ بِصَوْنٍ عَنْ سِواكَ وَحَسْبُهُ *** مِنَ الصَّوْنِ أَنْ تُغْرِي السَّماحَ بِنَهْبِهِ

وفي المقابل، فإن هناك من القصائد ما يقوله الشعراء لا لغرض الانتفاع المادي/ الاقتصادي، وإنما تعبيراً عما يعتمل في صدورهم، وتنفيساً عن شجونهم. وهذا النوع من القصائد يرتبط به الحق الأدبي (نسبة القول إلى قائله)، ولا يقصد به الشاعر الحقوقَ الاستئثارية الاقتصادية، لأنَّ سياق ذلك النوع من القصائد وغرضها لا يصلح لذلك. وأمثِّل على هذا النوع، بقصيدةٍ مؤثرة قالها الشاعر الأندلسي التُّطيلي (توفي نحو: 525 هـ) في رثاء زوجته “زهر”:

ونـــبـــئتُ ذاك الوجــهَ غَــيّــرَهُ البِــلى
عــلى قُــرْبِ عَهْــدٍ بــالطّـلاقـة والبِـشْـرِ

بــكــيــتُ عــليــه بــالدُّمــوعِ ولو أبَــتْ
بــكــيــتُ عــليــه بــالتــجــلُّدِ والصـبـرِ

وليـــتـــهـــمُ وارَوْهُ بـــيــن جَــوَانــحــي
عـلى فَـيْـضِ دَمْـعـي واحْـتـدامِ لظـى صدري

أمُــخْـبِـرَتـي كـيـفَ اسـتـقـرّتْ بـكِ النّـوَى
عـلى أنّ عـنـدي مـا يـزيـدُ عـلى الخُـبْر

ومـا فـعـلتْ تـلك المـحـاسـنُ فـي الشّرى
فــقـد سـاءَ ظـنّـي بـيـنَ أدري ولا أدري

يـــــهـــــوِّنُ وَجْــــدِي أن وَجْهَــــكِ زَهْــــرةٌ
وأن ثَــرَاهــا مــن دمــوعــي عــلى ذِكْــرِ

دَعـيـنـيْ أعـلّللْ فـيـكِ نـفـسـيَ بـالمـنـى
فــقــد خــفـتُ ألا نـلتـقـي آخـرَ الدهـرِ

خُـذِي حـدِّثـيـنـي هـل أطـقـتِ عـلى النّـوى
أُحَــدِّثْــكِ أنــي قــد ضَـعُـفْـتُ عـن الصـبـرِ

ذكــرتُــكِ ذكــرَ المــرءِ حــاجــةَ نــفـسـهِ
وقـد قـيـل إن المـيـتَ مُـنْـقَـطِـعُ الذِكـْرِ

ووالله مـــــا وَفّـــــيْـــــتُ رُزْءَكِ حَـــــقّهُ
ولكـــنـــه شـــيءٌ أقـــمـــتُ بــه عــذري

إذا جــئتِ عـدنـاً فـاطـلبـيـنـا فـقـلَّمـا
تــقــدمــتــنِـي إلا مـشـيـتُ عـلى الأثـرِ

ولا تَــعْــذُليــنــي إن أَقــمــتُ فــربَّمــا
تــأخَّر بــي ســعــيــي وأَثْــقَــلنــي وِزْري

وقصيد ة الشاعر التُّطيلي في رثاء زوجته يظهر فيها جلياً أنه لم يراعِ فيها الحافز المادي الاقتصادي، لأن هذا لا يتصور في قصيدة يكتبها شاعر في زوجته التي توفتها المنون، وغيبها الثرى، وانقطعت بينه وبينها الصلات المادية الاقتصادية التي تكون حال الحياة لا حال الموت. بل كان الباعث على قول القصيدة – كما يذكر الشاعر نفسه في ثنايا قصيدته- هو الوفاء وحسن العهد؛ فهو يرى أن حادثة موت “زهر” زوجتهِ، توجب عليه التذكر والتألم وإحياء ذكرها بين الناس وإن غاب جسدها تحت التراب: “والله ما وَفَّيتُ رُزْئكِ حقَّهُ*** ولكنَّه شيءٌ أقمتُ بهِ عُذْري”. وهذا مثال على الوفاءُ من الشاعر التُّطيلي ينبئ عن نبل مشاعرهِ وعن حسن وفائه رحمه الله.

المقارنة بين السياقات: السياق الأكاديمي والسياق التجاري

وعوداً إلى الوقت الحاضر، وحال التعامل مع الملكية الفكرية في السياق الأكاديمي مقارنةً بالسياق التجاري؛ فأوضح أن الحقوق الأدبية هي الجانب الأكبر الذي يهم المنتجون للملكية الفكرية في السياق الأكاديمي وهم “الأكاديميون” أي العاملون في السلك الأكاديمي كأساتذة الجامعات. وذلك لأن منظومة الحوافز السائدة لديهم مثل الترقيات، والمساهمة العلمية، وإثراء المجال البحثي، والسمعة؛ يكفي أن ترتكز على الحقوق الأدبية دون حاجة لاستدعاء الجانب الاستئثاري/التجاري للملكية الفكرية.

بينما في السياق التجاري، فإنَّ العكس هو الصحيح، فالمهم لدى المنشآت التجارية (أو الأفراد الذي يستهدفون التكسب المادي والاتجار) هو الحقوق الاستئثارية المرتبطة بالملكية الفكرية؛ نظرا لارتكاز منظومة الحوافز لدىها على الحقوق في الانتفاع والاستغلال التجاري. ولذا فإن تلك المنشآت تشتري وتحصل على تراخيص حقوق ملكية فكرية من مبدعين ومن أكاديميين لغرض الاستغلال التجاري وتحصيل العوائد رغم أن نسبة العمل “الأدبية” ستبقى للمؤلف الأصلي.

اختلاف الحوافز بين السياقات يؤدي إلى اختلاف طبيعة الملكية الفكرية/ مشكلة التتجير

واختلاف منظومة الحوافز بين القطاعين الأكاديمي والتجاري يؤدي بطبيعة الحال لاختلاف الملكية الفكرية المنتجة في كل قطاع – من حيث قابليتها للاستغلال التجاري-. وهذا الاختلاف المؤثر بينهما هو ما أفرز – في رأيي- مشكلة التتجير “Commercialization Problem” في القطاع الأكاديمي.

وأقصد بمشكلة التتجير هو محاولات المنشأة الأكاديمية (وأيضا المنشأة البحثية العامة) الدؤوبة – وغير الناجحة في أحيان كثيرة- للاستغلال التجاري لحقوق ملكية فكرية (براءات اختراع في الغالب) سجلتها الجهة الأكاديمية ومنسوبوها بناء على منظومة الحوافز التي لديهم (الحوافز التي لا تعطي اعتباراً كبيراً للجدوى التجارية لحق الملكية الفكرية).

أسباب وطبيعة مشكلة التتجير

وعند البحث في سبب وطبيعة مشكلة التتجير، ولماذا تبوء كثيرٌ من محاولات التتجير بالفشل؛ يمكن لنا تفسير هذا الأمر باختلاف منظومة الحوافز بين القطاع الأكاديمي والتجاري، والذي يؤثر بطبيعته على القرارات التي تتخذها المنشأة الأكاديمية بشأن تسجيل حق فكري. وذلك لأن المنشأة قد تتخذ قرار التسجيل آخذةً بالاعتبار جانب القيمة العلمية للحق الفكري دون إيلاء المعطى التجاري (القيمة التجاري لحق الملكية الفكرية) الاهتمام الكافي.

علماً أنه في العقود الأخيرة، وتماشياً مع التحولات التي طرأت على القطاع الأكاديمي مثل: أ- دخول القطاع الخاص مستثمراً (وفق حسابات تجارية محضة في المقام الأول) مما أوجد منشآت أكاديمية تستهدف الربحية، أو ب- مطالبة الحكومات للمنشآت الأكاديمية بدفع الجزء الأكبر من فواتيرها التشغيلية، مما ألجأ المنشآت الأكاديمية إلى البحث عن إيرادات كافية، وإلى دراسة قرارات الإنفاق لديها وفق حسابات العائد على الاستثمار (Return on Investment /RoI)؛ فإنه قد قام عدد من المنشآت الأكاديمية (والبحثية العامة) بإعادة تصميم وهيكلة قرارات التسجيل – لحقوق الملكية الفكرية لديها- بحيث يكون المعطى التجاري عاملاً رئيساً في اتخاذ قرار التسجيل من عدمه. وأنشأت في تلك الجامعات والمعاهد ما يسمى بـ “إدارات نقل التقنية”، وتلك الإدارات تستهدف معالجة أزمة التتجير، وفق آليات متعددة منها دراسة الجدوى التجارية لحق ملكية فكرية معين قبل الشروع في تسجيله (وليس بعد التسجيل كما كان سابقاً)؛ وذلك لضمان ألا تُسجِّل المنشأة الأكاديمية حقا فكريا معينا إلا بعد التأكد من جدواه التجارية.

الخلاصة

وكخلاصةٍ لما سبق؛ فإن اختلاف السياقات والقطاعات بين كونها تجارية أو أكاديمية أو فردية (تستهدف الربح) أو فردية (تبدع لذات الإبداع وليس للاتجار منه)، يؤثر على قرار تسجيل الملكية الفكرية، والمعطيات التي تحتف به، والاعتبارات التي تشكل وزناً وأهميةً أكبر من غيرها عند اتخاذ مثل هذا القرار. ولذا، فإنه ينبغي علينا عند التعامل مع الملكية الفكرية في السياق التجاري أن نكون على إدراك بأن معطيات هذا السياق تُحتِّم علينا التفكير وفق منهجيةٍ مناسبةٍ له، ومختلفةٍ عن غيره من السياقات، وهذه المنهجية ينبغي أن تولي الاعتبارات التجارية – كتعظيم الربحية، واستدامة العمل التجاري، وتقوية مركز المنشأة المالي والتنافسي- وزناً أكبر عند اتخاذ القرارات بشأن الملكية الفكرية، ودون إلغاءٍ للاعتبارات القانونية بطبيعة الحال.

أحمد بن منصور التميمي – Ahamad Altamimi