الملكية الفكرية في سياق التعاملات التجارية (حقيبة العُدُد والأدوات – The Tool Box)

حقوق الملكية الفكرية ليست شؤونا قانونيةً فقط؛ وإنما هي أدوات قانونية ذات منفعة تجارية تنافسية، وهي أيضاً ممكِّنات ضرورية للتنافس في اقتصادات حيوية ديناميكية قائمة على المعرفة والانتاج الفكري والإبداعي والصناعي. وهذه الأدوات (ذات المنفعة التجارية التنافسية) قد جَعَلَ له المنظِّم/المشِّرع أشكالاً محددة يجب أن تتخذها، وإجراءاتٍ يجب أن تتبعها= حتى تنال الاعتراف القانوني، وحتى تكتسب الحماية المقررة لها بحسب الأنظمة، ومن ثمَّ يمكنها إنتاج وإحداث الآثار القانونية (التي في جوهرها ذات منفعة تجارية تنافسية)، مثل منع الآخرين من وضع علامة تجارية مشابهة على منتجات مقاربة، ومثل منع النسخ غير المشروع للحقوق المحمية بحق المؤلف (مثل نسخ وطباعة كتاب – دون إذن الناشر- وذلك لغرض بيع النسخ تجارياً)، ومثل نسخ الشفرة المصدرية (source code) لبرنامج الكتروني معين لغرض استخدام هذه الشفرة المصدرية أو أجزاء منها في برنامج آخر – دون الحصول على الموافقة أو الإذن- من المالك لهذه الحقوق.

ما الذي يعنيه كون حقوق الملكية الفكرية أدوات قانونية ذات منفعة تجارية تنافسية؟

لمحاولة تقريب مفهوم “حقوق الملكية الفكرية كأدوات قانونية ذات منفعة تجارية تنافسية”، من المناسب استحضار أداة قانونية أخرى هي “السند لأمر”.

والسند لأمر هو ورقة عادية تنصُّ على التزام من أصدر الورقة بسداد مبلغ محدد بتاريخ معينٍ، ولكن بمجرد تضمينها متطلبات محددة (نصَّ عليها نظام الأوراق التجارية)، فإن هذه الورقة تتحول من كونها ورقة عادية لأن تكون أداة قانونية لها قوة واعتبار قانونيان، بحيث يحقُّ لمن أُصدِرتْ له الورقة/السند لأمر أن يتوجه لمحكمة التنفيذ ويطالب من أصدر السند لأمر بسداد المبلغ المعين الذي تضمنه السند، وذلك دون الحاجة للخوض في منازعة قضائية بشأن استحقاقه للمبلغ الذي نصَّ عليه السند لأمر. هذه -بصورة مختصرة- توضيح السند لأمر كأداة قانونية.

ولكن، ماذا عن منفعته التجارية (أو وظيفته) التي تولَّدت من هذا التصميم الخاص (شكليات معينة + اعتراف تشريعي/تنظيمي + آثار قانونية) الذي يتخذه السند لأمر؟

أصبح السند لأمر أحد أهم الوسائل القانونية لضمان الديون في السياقات التجارية والتمويلية. إذن منفعته التجارية الرئيسية هي تأمين الالتزامات المتعلقة بالديون سواء كانت ناشئة عن بيوع بالآجل أو عن تمويلات بنكية أو عن إقراض ونحوه.

ما الذي يعنيه هذا الأمر على مستوى حقوق الملكية الفكرية؟

الملكية الفكرية لها أنواع مختلفة، وتنقسم إلى هذه الأنواع الستة الرئيسية:
1- العلامات التجارية Trademarks
2- حقوق المؤلف Copyrights
3- براءات الاختراع Patents
4- التصاميم الصناعية Industrial Designs or Design Patents
5- الأسرار التجارية Trade Secrets
6- أسماء النطاقات Domain Names

كل نوعٍ من هذه الأنواع له شكليته القانونية التي يجب أن يتخذها حتى يحصل على الاعتراف التشريعي/التنظيمي، ومن ثم يمكنه إحداث آثاره القانونية.

أما الأهم من هذا كله (من المنظور التجاري ومن المنظور القانوني الاستراتيجي)، أن كل نوع من أنواع الملكية الفكرية له منفعته التجارية التنافسية الخاصة به، والتي تختلف عن المنافع التجارية التي تحدثها الأنواع الأخرى. بعبارة أخرى، لكل نوع من أنواع الملكية الفكرية وظيفته الخاصة التي يتميَّز بها عن غيره من الأنواع.

ولكل نوعٍ أيضاً قيودٌ وثغرات تجعل منه – لوحده كنوع- غير كافٍ من حماية التنافسية التجارية للمنتج؛ مما يستدعي (من المنظور التجاري ومن المنظور القانوني الاستراتيجي) محاولة حمايةَ المنتج بأكثر من نوع من أنواع الملكية الفكرية (علامة تجارية + حق مؤلف + براءة اختراع + اسم نطاق) وذلك لتوفير الحماية القصوى الممكنة وفق الأدوات القانونية/حقوق الملكية الفكرية (ولهذا الموضوع، سأخصص تدوينة مستقلة – بإذن الله- تحت عنوان “استراتيجية الملكية الفكرية للمنتج”).

وبالتالي، ينبغي علينا – كمهتمين في مجال الملكية الفكرية- أن نتعرف على المنافع التجارية التنافسية والوظائف الرئيسية التي يتميّز بإحداثها كل نوعٍ من أنواع الملكية الفكرية، وأن نعرف كذلك القيود الواردة على كل نوع من الأنواع (أي الجوانب التي تقصر عن حمايتها الأداة القانونية)، وذلك الأمر من شأنه أن يساعدنا كثيراً عند اقتراح الأدوات القانونية/حقوق الملكية الفكرية الملائمة لحماية منتج معين، وعند تصميم استراتيجية ملكية فكرية تهدف إلى تعزيز تنافسية منشأة ما أو منتج محدد.

ومن المناسب النظرُ إلى حقوق الملكية الفكرية كـ “عُدَد” وأدوات لدى المحامي المتخصص في شؤون الملكية الفكرية، بحيث يمكنه استخدام الأداة المناسبة (أو عدد من الأدوات) لتحقيق الغرض المطلوب للعميل، ولتوفير الحماية القصوى الممكنة للمنتج والمنشأة.

في المقال اللاحق، سأتحدث عن حقيبة العدد والأدوات بالتفصيل، وسأتطرق لتوضيح منافعها التجارية وقيودها.

والله الموفق.

أحمد بن منصور التميمي Ahamad Altamimi