
سبق أن تناولنا التساؤلات الأولية المتصلة بكتابة العقود، وهي التساؤل عن مدى الحاجة إلى كتابة العقود، لماذا نشأت الحاجة إلى كتابة العقود؟ وعن ماهيةالوظائف الأساسية التي من أجلها تطورت الحاجة إل كتابة العقود والتوقيع عليها من قبل أطراف العقد. وكانت وظيفة التنظيم التعاقدي من ضمن الوظائف التي ذكرنا أنه من أجلها وجدت الحاجة إلى كتابة العقود.
ونعني بوظيفة التنظيم التعاقدي، تنظيم العلاقة التعاقدية بين أطراف العقد من بداية العقد إلى نهايته. فكل عقدٍ يُبرم، تتكوَّنُ معه علاقة تعاقدية بين أطرافه، وهذه العلاقة لها ابتداء ولها انتهاء. تبتدئ حين إبرام العقد (التوقيع على العقد المكتوب)، وتنتهي حين استيفاءِ كافة الالتزامات التعاقدية المنصوص عليها في العقد ومضي المدد المتفق عليها فيه كمدة الانجاز وفترة ضمان الأعمال المنفذة –على سبيل المثال. وكغالب العلاقات الإنسانية، فإن التنظيم الجيد للعلاقة، يكون أدعى لنجاحها، ولتحقق مطلوب أطرافها. وكذلك هو الحال في العلاقات التعاقدية؛ فإن التنظيم الجيِّد للعلاقة التعاقدية، أدعى لنجاح تلك العلاقة التعاقدية، و أدعى لتجاوز التحديات التي قد يمر بها أطراف تلك العلاقة التعاقدية أثناء تنفيذها، في جو يتسم بالفهم المشترك لمقتضيات العلاقة التعاقدية و لحدود الالتزام والمسؤولية و يسوده الحرص على تحقق مصالح جميع الأطراف التي تكونت من أجلها العلاقة التعاقدية.
والتنظيم الجيد للعلاقة التعاقدية قد يمثل انعكاساً صادقا لنية الأطراف في إنجاح تلك العلاقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “فإن صدقا وبيَّنا؛ بورك لهما في بيعهما”.
تنظيم العلاقة التعاقدية، باختصارٍ، يكون بتوضيح من هم أطراف هذه العلاقة، وما هو غرضهم الأساس من تكوين العلاقة، والافتراضات الرئيسة التي من أجلها قرَّر أطراف العلاقة التعاقد فيما بينهم عليها (كأن يكون أحدهم أو (أحدهما) مالكا حصريا لحقوق توزيع منتج معين في نطاق إقليمي محدد، والطرف الآخر راغبا في توزيع هذا المنتج ضمن النطاق المحدد)، وحقوق كل طرف أمام الطرف الآخر (كأن يكون الطرف الأول مالكا لبرنامج الكتروني لتخزين البيانات وإدراتها، ويمنح الطرف الثاني ترخيصا باستخدام هذا البرنامج كي يستطيع الطرف الثاني تخزين بياناته وإداراتها. ويكون الطرف الثاني في المقابل مالكا لحقوق بياناته التي سيخزنها في برنامج الطرف الأول وعلى الطرف الأول عدم إفشاء تلك البيانات أو التصرف فيها بدون إذن الطرف الثاني)، وأيضا التزامات كل طرف ومسؤولياته أمام الآخر (كأن يكون الطرف الأول المالك لبرنامج تخزين البيانات وإدراتها مسؤولاً كذلك عن تقديم الدعم والصيانة الفنية لهذا البرنامج). وكذلك توضيح الكيفية التي يجب وفقها تنفيذ الالتزامات المنوطة بكل طرف، والشروط التي قد يفرضها طرف ما على الآخر، وآلية التعامل مع الظروف المتوقعة أو غير المتوقعة التي قد تمر بها العلاقة، ومدة الاتفاقية وتاريخ سريانها، وآلية إنهاء هذه العلاقة قبل انتهاء مدتها، وإدارتها وتسوية النزاعات التي قد تنشأ عنها.
وهنا تثور أسئلةٌ ربما تساعد في استكشاف طبيعة هذه التنظيمات التعاقدية وهي؛ هل التنظيمات التعاقدية متشابهةٌ، أم أنها مختلفةٌ؟ وإذا كانت متشابهةً، فما هو سبب تشابهها؟ وإذا كانت مختلفةً؛ فما هو سبب اختلافها؟
وللإجابة على هذه التساؤلات أقول؛ أن التنظيمات التعاقدية ليست متشابهةً. وفيها قدرٌ معتبرٌ من الاختلاف، وذلك راجعٌ لاختلاف العقود فيما بينها، باختلاف موضوعاتها، وأغراضها، والالتزامات التي يجري التعاقد عليها. فعلى سبيل المثال، إذا كنتُ مبتكراً، ولديَّ فكرةٌ ورسومات فنية تفصيلية عن ابتكار يتمثل في جهازٍ لتنقية الهواء، وأردت أن أعرف التكلفة التقديرية لتصنيع هذا الجهاز، فتوجهت إلى مصنعٍ وتفاهمت معه مبدئيا حول فكرة الابتكار، وأعربتُ له عن رغبتي في معرفة التكلفة التقديرية لتصنيع الابتكار لدى هذا المصنع. فطلب المصنع مني أن أزوده بنسخة من الرسومات الفنية التفصيلية حتى يمكنه تقدير التكلفة. فخشيتُ أني إذا قدمت له نسخةً من الرسومات الفنية التفصيلية، فإنه قد يشرع في تصنيع الجهاز بنفسه دون موافقتي، أو قد يسرب هذه الرسومات إلى طرفٍ آخر. وعندما شاركت مخاوفي تلك مع أحد المهتمين بالأعمال التجارية؛ أشار عليَّ بأن أبرم مع المصنع اتفاقية خاصة بالحفاظ على سرية المعلومات (“اتفاقية السرية”)، وأفادني بأن هذه الاتفاقية ستضع المصنع تحت التزامات قانونية صارمة تحظرُ عليه أن يفشي المعلومات السرية أو ينشرها أو يشاركها مع أي طرفٍ إلا بعد إشعاري بذلك والحصول على موافقتي. فأعجبتني هذه الاتفاقية، لا سيما أنها ستحقق غرضي من مشاركتي للرسومات التفصيلية مع المصنع للحصول على التكلفة التقديرية ، وستحميني تعاقديا في الآن ذاته من قيام المصنع بالتصرف في هذه الرسومات على نحو يضر بي، ومن ثم اتصلت اتصلت مجددا على المصنع، وأخبرته بأنه على المصنع أن يوقع اتفاقية السرية قبل أن أشاركه الرسومات الفنية التفصيلية. فأبدى المصنع تفهمه لطلبي، وأنهم معتادون على هذا الإجراء. فاتفقنا سوية على توقيع اتفاقية السرية. فهنا، سيكون لاتفاقية السرية هذه تنظيم مخصص متناسبٌ مع غرضها، وهو حماية سرية المعلومات وعدم إفشائها.
وبناءً على المثال السابق، فإذا قدرنا أنني وقعت مع المصنع اتفاقية السرية، وشاركته أيضا الرسومات الفنية التفصيلية، وقدم لي عرضه المتضمن التكلفة المقدرة لتصنيع الابتكار. وكان العرض مناسبا لي. ثم قررت المضي قدما في تصنيع هذا الابتكار من خلال هذا المصنع، فإني في تلك الحالة، سأكون على وشك الدخول في علاقة تعاقدية موضوعها تصنيع الجهاز المطلوب وفق المواصفات الفنية وبكميات محددة وأسعار متفق عليها. فهل التنظيم التعاقدي المخصص لاتفاقية السرية سيكون مناسبا لتنظيم علاقتي التعاقدية مع المصنع لتصنيع الجهاز؟ بالتأكيد أنه لن يكون مناسباً لذلك؛ لأن الموضوعين مختلفان، والالتزامات مختلفة، والمقاصد التعاقدية مختلفة. وبالتالي، فإن ما يصلح لتنظيم علاقة تعاقدية موضوعها حماية سرية المعلومات، لن يكون -على الأرجح- صالحا لتنظيم علاقة أخرى موضوعها تصنيع جهاز. فإذا رغبتُ في تنظيم علاقتي لتصنيع الجهاز، فربما ينبغي عليَّ البحث واستشارة متخصصين في ذلك، لتزويدي بمسودة اتفاقية تحتوي على تنظيم تعاقدي ملائم لعلاقتي التعاقدية المحتملة مع المصنع.
فالذي يتضح من المثالين السابقين (مثال اتفاقية سرية المعلومات ومثال اتفاقية التصنيع)؛ أن التنظيمات التعاقدية تختلف في ملائمتها ومناسبتها للعقود، بحسب اختلاف طبيعة العقود التي تسعى لتنظيمها. فباعتبار طبيعة العقد وبالنظر إلى أغراضه، والظروف المتوقعةالتي تحتف بتنفيذه؛ يظهر ويتحدد تنظيم عقدي أكثر مناسبةً لهذا العقد بعينه. ورغم أن حديثي فيما سبق يسلَّط الضوء على تقرير أن العقود ليست متشابهة، وعلى توضيح السبب الأصيل الذي تختلف بموجبه التنظيمات التعاقدية (وهو اختلاف العقود بعضها عن بعض)؛ فإنني لا أكرس جهدي في سلسلة التدوينات هذه لبيان الاختلاف.، وإنما أهدف في الأساس إلى بيان القدر المشترك بين التنظيمات التعاقدية رغم اختلاف العقود التي تنظمها. لأنه حتى مع اختلاف هذه التنظيمات التعاقدية بعضها عن بعضٍ، سيظلُّ هنالك عناصر أساسية و مكونات مشتركة لا يكاد يخلو منها أي تنظيم تعاقدي. هذه العناصر الأساسية أو المكونات المشتركة في أي تنظيم تعاقدي، هي ما سأسلط الضوء عليه، والذي من خلاله سنتمكن من فهم التنظيمات التعاقدية المختلفة من طريق فهم تكويناتها المشتركة بينها. وبمعرفة القدر المشترك بين العقود، يمكننا أيضاً التعرف على أوجه التمايز والاختلاف فيما بينها.
وتأسيسا على ما سبق، فإن العقود المكتوبة إجمالاً تحتوي على نوعين من الشروط والأحكام والسردية القانونية (وأعني بالسردية القانونية في هذا السياق، الأسلوب والنسق الكتابي الذي يتبعه صائغ العقد لتدوين وعرض أحكام العقد). أولهما، تلك المتعلقة بالقدر المشترك بين العقود. وثانيهما، تلك المتعلقة بالقدر المختلف “المخصص”، والمتغير تبعا لاختلاف العقد في طبيعته عن العقود الأخرى. وباجتماع هذين القدرين “المشترك” و”المختلف” في عقدٍ ما، ينتج ما نسميه بالتنظيم التعاقدي “الخاص” بعقد ما.
ونظرا لتعذِّر وجود تنظيم تعاقدي واحد يمكن استخدامه على نحو ملائم مع كافة العقود المختلفة (أي أنه يتعذر عمليا في رأيي أن توجد اتفاقية نمطية واحدة يمكن استخدامها كعقد استئجار عقار ثم تستخدم كاتفاقية تأسيس مشروع مشترك، ثم تستخدم هي ذاتها كاتفاقية منح امتياز تجاري..)؛ فقد تعارف صائغو العقود على تبني تنظيمات خاصة لكل نوع من العقود المستخدمة في السياقات التجارية أو الشخصية. فهناك تنظيم خاص لاتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات، وتنظيم خاص لاتفاقية الاستحواذ على حصة ملكية في شركة، وتنظيم خاص لشراء سلع، وتنظيم خاص لتوزيع منتجات ضمن نطاق إقليمي، وهكذا دواليك. فهناك تنظيمات محددةٌ أكثر ملائمةً من غيرها لكل نوع من العقود، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك التنظيمات هي مختلفة فيما بينها كذلك بالنظر إليها منفردة حتى وان كانت في عمومها مخصصة لنوع واحد من انواع العقود؛ فليست كافة اتفاقيات الحفاظ على سرية المعلومات -على سبيل المثال- متماثلةً، وإن كان فيها قدرٌ كبيرٌ من التشابه. وإنما الذي يعنيه وجود التنظيم الخاص باتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات، أنه ينبغي أن يكون هناك تشابهٌ في مكونات العقد الخاصة بهذه الاتفاقية حتى وإن اختلفت هذه الاتفاقية عن غيرها من اتفاقيات سرية المعلومات في التفاصيل والسردية القانونية.
وربما يغرينا الفضول بالتفكير في الكيفية التي يتكون بها التنظيم الخاص بعقد ما؛ وهل هي عملية فردية -محصورة على الجهود التي يبذلها المحامي أو صائغ العقد- تحدث وتتطور بصورة منعزلة عن غيرها من العوامل؟ أم أنها عملية تفاعلية تحدث وتتطور من خلال تراكم التجارب المتكررة في إبرام وتنفيذ عقد ما، ومن خلال التواصل والفهم المشترك بين منظورات متنوعة وعقليات مختلفة؟
الواقع أن الكيفية التي يتطور بموجبها التنظيم الخاص بعقد ما ليست عملية فردية منعزلة عن غيرها من العوامل. بل على العكس من ذلك، فالتنظيم الخاص بعقد ما يتكون من خلال عملية تفاعلية تشتمل على عوامل مختلفة، منها تراكمية التجارب المتكررة في إبرام وتنفيذ ذلك العقد، ومن تلك العوامل عامل التواصل والفهم المشترك بين منظورات متنوعة وعقليات مختلفة كالعقلية القانونية (أو عقلية صائغ العقد) على سبيل المثال. كذلك فإن الكيفية التي يتطور بموجبها التنظيم الخاص بعقد ما تعكس بصورة مستمرة النضج العملي والمعرفي المتصل بذلك العقد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التنظيم الخاص بعقد ما يتكون بحسب الطبيعة الموضوعية للعقد المراد تنظيمه، وطبيعة العلاقة التعاقدية بين أطراف العقد، والاعتبارات القانونية والمخاطر الخاصة بطبيعة تلك العقد. بل إن التنظيم الخاص بعقدٍ ما يفترض منه في الغالب أن يمثل انعكاساً للتطور الحاصل في الخبرة العملية والمعرفة النظرية جرَّاء صياغة وإبرام وتنفيذ العشرات أو المئات من العقود المشابهة في فترات سابقة وكذلك النزاعات والأحكام القضائية المتصلة بها، بحيث يسهم ذلك الرصيد العملي والمعرفي في الاحاطة بالثغرات المحتملة والإشكالات أو التحديات المتوقعة وتخطيط المراكز التعاقدية المفترضة. ولكي نضرب مثال على ماسبق ننظر إلى اتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات، فلا تكاد تخلو اتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات من مادة خاصة تحدد طبيعة المعلومات التي تجب المحافظة على سريتها، وتشمل المعلومات التي توصف من قبل الطرف المفشي بأنها سرية أو المعلومات التي يعرف بطبيعتها أنها سرية. لكن هذه المادة في غالب التنظيمات المخصصة لاتفاقية الحفاظ على سرية المعلومات، لا تتوقف على مجرد تحديد المعلومات التي يجب المحافظة على سريتها؛ بل تضيف إلى ذلك بأن تذكر المعلومات التي تستثنى من التزام الحفاظ على سرية المعلومات لوصفٍ تعلَّق فيها. وذلك بأن تكون هذه المعلومة قد سبق للطرف الآخر الحصول عليها في وقت سابق لتوقيع اتفاقية سرية المعلومات، أو أن يقوم صاحب المعلومة بنشرها للعموم، وبالتالي فإن الطرف اللآخر لا يكون ملزما بالحفاظ على سرية المعلومة التي قام صاحبها بالتصريح عنها في لقاء تلفزيوني مثلا. فهذه الاستثناءات التي وردت على التزام الحفاظ على سرية المعلومات؛ إنما تطورت في رأيي بسبب العملية التفاعلية المشار إليها أعلاه. وخلاصة الأمر أن التنظيم الخاص بعقد ما، يفترض أن يعكس التطور القانوني لهذا العقد، المرتكز على ثلاثة أمور: أولا؛ النزاعات والأحكام القضائية السابقة المتصلة بهذا العقد أو بنص قانوني وارد فيه. وثانياً؛ تطور الممارسة التجارية المتعلقة بهذا العقد. وثالثا؛ تطور الفهم والاستيعاب القانوني لطبيعة العقد الخاصة وما يتصل به من اعتبارات ومخاطر قانونية.

! الترجمة: “إذا كنت أقرأ اتفاقية السرية هذه بصورة سليمة؛ فإنك تحتفظ بحقك التعاقدي بأن تزيل جراحيا أي أجزاء من دماغي طالما كانت تحتوي على معلومات سرية!
والآن سأشرع في عرض العناصر المشتركة بين غالب التنظيمات التعاقدية للعقود المكتوبة، وأولها الأطراف في العقد.
الأطراف في العقد
أي علاقة تعاقدية تقتضي أن يوجد هناك على الأقل طرفان فيها، وعلى هذين الطرفين تدور أحكام العقد وفي مقابل كل منهما تنتصب التزامات العقد وتستوثق حقوقه. وقد يتكون العقد من عدة أطراف أو أكثر بحسب العقد. وتجدر الإشارة إلى أن تحديد أطراف العقد بصورةٍ واضحةٍ، من الأهمية بمكانٍ، حتى لا ينتهي المطاف بأحد المتعاقدين بأن يكون في علاقة تعاقدية مع طرف لا يعلم على وجه التحديد المعلومات الرسمية المعينة على العثور عليه. والذي يهم في هذا القسم أن أطراف العقد يجب ذكرهم في العقد على نحو يرفع الجهالة والإبهام عن حقيقتهما. فمثلا إذا كان أحد الأطراف شخصا اعتباريا كأن تكون شركة ذات مسؤولية محدودة؛ فيذكر اسمها الكامل كما هو مسجل في السجل التجاري أو في رخصتها، كما يذكر عنوانها ومكان تأسيسها، ويذكر كذلك رقم تسجيل الشركة. وإذا كان الطرف شخصا طبيعيا، فيذكر اسمه الرباعي، ومحل إقامته، ورقم هاتفه وكذلك رقم جوازه أو بطاقة الهوية الخاصة به.
العنصر الثاني من العناصر المشتركة هو التمهيد.
التمهيد
في التمهيد تكون حكاية قصة الاتفاق، والإشارة إلى الأسباب التي دفعت أطراف العقد إلى الدخول في العلاقة التعاقدية. ويكون التمهيد في العادة موجزا والإشارات فيه مقتضبةً، لكن أهميته تنبع من كونه يضع الافتراضات الرئيسة التي من أجلها سيتعاقد الأطراف مع بعضهم البعض. كأن تكون شركة ” س” مالكةً حصريةً لحقوق توزيع منتج معين في نطاق إقليمي محدد (الشرق الأوسط)، وأكون راغبا في توزيع هذا المنتج ضمن دولة تقع ضمن النطاق المحدد (المملكة العربية السعودية). فتفاهمت مع شركة س على أن أبرم معهم اتفاقية توزيع حصري أتولى بموجبها توزيع منتجاتهم في المملكة العربية السعودية. فرغبتي في التعاقد مع الشركة “س” إنما وُجدت بناءً على افتراض رئيسٍ، وهو أن شركة “س” هي المالكة الحصرية لحقوق توزيع المنتج في الشرق الأوسط. فلو لم تكن شركة “س مالكة حصريةً لحقوق التوزيع في الشرق الأوسط، وإنما كان هناك أطراف أُخَر لديهم ذات حقوق التوزيع في الشرق الأوسط، أو كانت شركة “س” لا تملك حقوق التوزيع في الشرق الأوسط وإنما في أوروبا فقط، فإني قد أتراجع عن الدخول في علاقة تعاقدية مع الشركة “س”، أو ربما أراجع الأحكام التجارية التي كنت بموجبها سأدخل في العقد مع الشركة “س”. وبالتالي، فإن توثيق الافتراضات الرئيسية التي من أجلها توافقت وتلاقت نية الأطراف للدخول في العلاقة التعاقدية، أمرٌ جديرٌ بالمراعاة.
وعلى سبيل المثال، قد يرد التمهيد في اتفاقية لتقديم خدمات تقنية المعلومات على النحو الآتي:
“أ- حيث أن الطرف الأول يبحث عن شركة متخصصة في تقديم خدمات تقنية المعلومات لتنفيذ نطاق العمل المعد من قبل الطرف الأول (ویشار إلیھا في سائر الاتفاقیة ب” نطاق العمل”)؛
ب_ وحيث أن الطرف الثاني يعمل في مجال تقنية المعلومات وتصميم الحلول التقنية وقد سبق له تنفيذ عدد من المشاريع التقنية الناجحة، ج_ وحيث أن الطرف الثاني قد اطلع على نطاق العمل وتقدَّم للطرف الأول بعرضه الفني والمالي برقم [..] وتاريخ [..] المرفق بھذه الاتفاقیة لتنفيذ نطاق العمل (ویشار إلیھا في سائر الاتفاقیة ب” الملحق رقم..”)؛
فقد اتفق الطرفان على ما يلي: (أحكام العقد) “
وأدناه مثال آخر على التمهيد في اتفاقية اشتراك متجر في منصة الكترونية :
“أ- حيث إنَّ الطرف الأول يملك ويشغل منصة الكترونية اسمها “………” (ويشار إليها في سائر الاتفاقية بـ “المنصَّة”)، وهذه المنصَّة تعمل على استقبال الطلبات الالكترونية للعملاء المشتركين في المنصَّة (ويشار إليهم في سائر هذه الاتفاقية بـ”العملاء”) لشراء منتجات معينة توفرُّها المتاجر والشركات المشتركة في المنصَّة ) ويشار إليهم في سائر هذه الاتفاقية بـ”المتاجر المشتركة”)، وتعمل على إدارة توصيل هذه المنتجات إلى العملاء وتحصيل ثمن المنتجات وإجراء المقاصة بين الطرف الأول وبين المتاجر المشتركة في مقابل عمولة يستحقها الطرف الأول يحصلها من ثمن المنتجات.
ب_ وحيث أن الطرف الثاني يملك ويدير أحد المتاجر المشهورة في المملكة العربية السعودية تحت الاسم التجاري “………….” (ويشار إليه في سائر الاتفاقية بـ “المتجر” أو “متجر الطرف الثاني”)، وحيث أن الطرف الثاني يرغب في اشتراك المتجر في المنصة لعرض المنتجات التي لديه وللاستفادة من الخدمات التي توفرها المنصة،
ج_ وحيث أن الطرفين يرغبان في توقيع اتفاقية اشتراك متجر في منصة الكترونية (ويشار إليها في سائر هذه الاتفاقية بـ”الاتفاقية”) وذلك لغرض توضيح أحكام الاشتراك في المنصة ولتنظيم علاقتهما في هذا الخصوص، وعليه فقد اتفق الطرفان المذكورة بياناتهما أعلاه وهم بكامل الأهلية المعتبرة شرعاً ونظاماً على ما يلي..”
فالتمهيد كما نرى يرسم تصورًا ذهنيا عن طبيعة الاتفاقية وماهية الطرف الأول والطرف الثاني ولماذا يرغبان في الدخول في العلاقة التعاقدية. كذلك قد يضع تعريفاً لأهم المصطلحات التي سترد في الاتفاقية كـ المنصة والعملاء والمتاجر المشتركة ومتجر الطرف الثاني والاتفاقية، وهذا سيمهد الطريق أمام قارئ الاتفاقية للولوج إلى صلب الاتفاقية والخوض في تفاصيلها القادمة.
العنصر الثالث من العناصر المشتركة هو نطاق الاتفاقية، والغرض من توقيعها، وهو معقد الاتفاق.
معقد الاتفاق/ نطاق الاتفاقية / الغرض
هذا القسم نستطيع أن نطلق عليه الملخص التنفيذي للاتفاقية “executive summary”. وذلك لأن صائغ الاتفاقية في هذا القسم، يريد أن يلخص في عبارات معدودة الاتفاقَ بين الطرفين، ونطاقَه المحدد ، وغرضَ الاتفاقية، دون أن يسهب في ذكر تفاصيل إضافية غير ضرورية. وأود التنويه إلى أن كثيراً من الاتفاقيات ربما لا تخصص قسما خاصا لنطاق الاتفاقية أو الغرض منها أو لتلخيص معقد الاتفاق؛ وإنما تكتفي بإيراده ضمن التمهيد أو ضمن مواد أخرى، وبعض الاتفاقيات ربما تستغني عن إيراده مطلقا. وإيراده من عدمه هو أمر راجع لتقدير صائغ الاتفاقية.
فعلى سبيل المثال قد يرد الاتفاق/ نطاق الاتفاقية / الغرض في اتفاقية لتقديم خدمات تقنية المعلومات على النحو الآتي:
“إن الغرض من ھذه الاتفاقیة ھو أن تحكم العلاقة التعاقدیة بین الطرف الأول والطرف الثاني بشأن نطاق العمل كما ھو منصوص علیه في العرض الفني (ويشار إليه في سائر الاتفاقية بـ “الملحق رقم 1″)، حیث یتعھد الطرف الثاني بتزوید الطرف الأول بالبرمجیات والمنتجات والخدمات أو بأي من ذلك وفقا لما ھو منصوص علیه في الملحق رقم (1)، وذلك مقابل المبالغ التي یدفعھا الطرف الأول للطرف الثاني وفقا لجدول الدفعات في الملحق رقم (2).”
و غرض الاتفاقية بحسب ما ورد في اتفاقية اشتراك متجر في موقع الكترونية:
“تهدف هذه الاتفاقية إلى توضيح ما يتعلق بأحكام الاشتراك لمتجر الطرف الثاني في الموقع الإلكتروني ونموذج العمل وآلية الدفع والخط الائتماني ومعدل الخصم،وترخيص الطرف الثاني بعرض العلامة التجارية للمتجر في الموقع الإلكتروني ، والأحكام الأخرى ذات العلاقة الواردة في هذه الاتفاقية.”
العنصر الرابع من العناصر المشتركة هو أجزاء الاتفاقية ووثائقها.
أجزاء الاتفاقية ووثائقها
تعد المادة التي تذكر فيها أجزاء الاتفاقية ووثائقها من المواد المهمة جدا. حيث أنك بجملة واحدة، قد تجعل عشرات الصفحات المتضمنة في وثيقة أخرى؛ جزءا من الاتفاقية التي تعدها. وتتبين أهمية هذه المادة في عقود المشاريع وعقود المقاولات، وذلك لأن أعمال المقاولات تتضمن وثائق فنية متعددة مثل كراسة طلب العروض، والعرض الفني والمالي المقدم من المقاول، وتصاميم المشروع المبدئية، وتصاميم المشروع النهائية، وجدول الدفعات، وملحق اختبارات القبول، وملحق معايير الصحة والأمن والسلامة وغيرها- وبمجرد ما يذكر صائغ العقد في العقد أن تلك الوثائق تعد أجزاءً منه؛ فإنها ستكِّون أجزاءً من ذلك العقد. وقد سبق لي العمل على عقدٍ وثيقته الأساسية صفحتان فقط، بينما وثائقه المرتبطة به تتجاوز المئة صفحة!
واتفاقيات تراخيص البرمجيات أو الاشتراك في البرامج الإلكترونية لا تكاد تخلو من إحالةٍ إلى وثائق أخرى تتضمن أحكام ذات علاقة. فينبغي أن نعلم أن الإحالة في عقد إلى وثيقة أخرى؛ سيجعل -في مجمل الأحوال- من تلك الوثيقة الأخرى جزءاً من العقد.
وقبل أن أشرع في إيراد الأمثلة، أحب أن أشير إلى إشكالية رئيسية مرتبطة بأجزاء الاتفاقية ووثائقها. تلك الأشكالية هي أنه يكثر ورود أحكام في تلك الوثائق تتعارض مع بعضها وينقض بعضها البعض. فقد يرد في وثيقة الاتفاقية الأساسية أن مدة دفع مستحقات الطرف الثاني خمسة عشر يوما، بينما يرد في أحد الوثائق الملحقة بالاتفاقية (العرض الفني والمالي) أن مدة الدفع هي خمسة أيام فقط. فهنا وقع التعارض بين نصين في اتفاقية واحدة. فكيف سنتعامل مع هذا التعارض، وأيُّ النصين منها سيسود على النص الآخر؟
وللأشكالية حلٌ، وهو أن صائغي العقود قد درجوا على إيراد وثائق الاتفاقية مرتبةً وفق أولويَّتها، فالوثيقة الأعلى تتقدم على الاتفاقية الأدنى. ثم بعد ذلك يورودون فقرةً توضح أنه في حال التعارض بين نصوص وثيقتين أو أكثر من وثائق الاتفاقية؛ فإن النص الوارد في الوثيقة الأعلى سيسود على الوارد في الوثيقة الأدنى. وبذلك نجح صائغو العقود في معالجة هذه الأشكالية.
فعلى سبيل المثال قد ترد مادة أجزاء الاتفاقية ووثائقها في اتفاقية لتقديم خدمات تقنية المعلومات على النحو الآتي:
“أجزاء الاتفاقية ووثائقها:
1. يعد التمهيد أعلاه جزءًا من الاتفاقية تقرأ الاتفاقية وتفسرَّ بموجبه.
2. تتألف الاتفاقية من الوثائق التالية:
2.1 وثيقة الاتفاقية هذه
2.2 الملحق رقم (1) والذي یتضمن جدول الدفعات وقائمة الأسعار
2.3 الملحق رقم (2) والذي یتضمن العرض الفني والمالي المقدم من الطرف الثاني في تاریخ [10/10/1439]
2.4 الملحق رقم (3) والذي یتضمن كراسة طلب العروض والمقدمة من الطرف الأول في تاریخ [09/09/1439]
3. في حالة وجود أي تضارب أو تعارض بین وثائق الاتفاقیة، فإن الوثیقة الأعلى تسود على الوثیقة الأدنى بحسب الترتیب الوارد في الفقرة رقم [2] أعلاه.”
من مجموع ما تقدم نخلص إلى أن التنظيم الجيِّد للعلاقات التعاقدية هو أدعى لنجاحها، ولتحقق مطلوب أطرافها، ولتجاوز التحديات التي قد تعترض مراحل تنفيذها، وأن هناك عناصر أساسية أو مكونات لا يكاد يخلو منها أي تنظيم تعاقدي، وهذه العناصر الأساسية أو المكونات المشتركة في أي تنظيم تعاقدي تمثل العمود الفقري عند كتابة كثير من العقود. وهذا القدر المشترك هو قوام كثير من التنظيمات التعاقدية، ومن خلال إدراكه وفهمه؛ سيسهل بإذن الله فهم العقود المختلفة على اختلاف أنواعها وعلى واختلاف الأعمال التي تسعى لتنظيمها. ولقد شرعنا فيما تقدم في عرض أربعة من العناصر التي تشترك فيها غالب التنظيمات التعاقدية للعقود المكتوبة. وهي: الأطراف في العقد، والتمهيد، ونطاق العقد أو الغرض منه، وأخيراً أجزاء الاتفاقية ووثائقها. وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة سنتطرق بإذن الله إلى مجموعة أخرى من العناصر المشتركة.
