ما هي العناصر المشتركة بين العقود المدونة ؟ – الجزء الثاني

تطرقنا في الجزء الأول من هذه السلسلة إلى تقرير خلاصةٍ مفادها أن التنظيم الجيد للعلاقات التعاقدية هو أدعى لنجاحها ولتحقق مطلوب أطرافها ولتجاوز التحديات العارضة التي يمر بها أطرافها أثناء تنفيذها. وأن هناك عناصر أساسية أو مكونات لا يكاد يخلو منها أي تنظيم تعاقدي، وهذه العناصر الأساسية أو المكونات المشتركة في أي تنظيم تعاقدي تمثل العمود الفقري عند كتابة كثير من العقود. وهذا القدر المشترك هو قوام كثير من التنظيمات التعاقدية، ومن خلال إدراكه وفهمه؛ سيسهل بإذن الله فهم العقود المختلفة على اختلاف أنواعها واختلاف الأعمال التي تسعى لتنظيمها. ولقد شرعنا في عرض أربعة من العناصر المشتركة بين غالب التنظيمات التعاقدية للعقود المكتوبة. وهي: الأطراف في العقد، والتمهيد، ونطاق العقد أو الغرض منه، وأخيراً أجزاء الاتفاقية ووثائقها.

وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة سنتطرق بإذن الله إلى عنصرين مهمين من العناصر المشتركة، وهما مدة الاتفاقية، والشروط التعاقدية.
وقبل الشروع في هذين العنصرين، أود التنويه إلى أن غرضي الأساس من كتابة هذه السلسلة – كان ولا يزال- هو محاولة تقديم عرض مختصر وواضح للعناصر المشتركة بين العقود المدونة الحديثة يسهل معه فهم ماهية تلك العناصر وفهم الفائدة من تضمينها في العقود.

مدة الاتفاقية

وهذا العنصر بكل بساطة يحدد وقت ابتداء الاتفاقية، أي وقت دخولها في حيز النفاذ. ويحدد وقت انتهاء الاتفاقية، أي الوقت الذي تتوقف فيه الاتفاقية عن السريان وعن النفاذ في مواجهة أطرافها. ويحمل وقت انتهاء الاتفاقية معنىً إضافيا أيضا، وهو أنه الوقت الذي يفترض أن يستوفي أطرافُ الاتفاقية التزاماتِهم قِبَلَ بعضهم قبل حلوله.

ويجدر التنبيه إلى أن النصَّ على مدة الاتفاقية قد يكون من الضرورة بمكان -من الناحية الشرعية- في بعض أنواع العقود كعقود الإجارة، بحيث أنه لو خلا عقد الإجارة من نص يحدد مدته، لعدَّ ذلك في أحوال كثيرة مفسدا لعقد الإجارة في النظام السعودي.

ويدخل في مدة الاتفاقية تحديد مدد بعض العناصر المهمة في العقد، كمدة إفراغ العقار باسم المشتري، أو مدة توثيق نقل الحصص المشتراة في شركة ما إلى المشتري لدى كاتب العدل.

وهناك أمر مهم يجدر مراعاته أثناء مراجعة هذا البند أو صياغته، وهو: هل يتجدد العقد تلقائيا عند انتهاء مدته (دون حاجة إلى توقيع ملحق بالتجديد أو توقيع اتفاقية جديدة)، أم أنه لا يتجدد إلا عند توقيع ملحق إضافي؟

لأن عدم مراعاة (التجدُّد التلقائي للعقد) قد يوقعنا في إشكالية تجدُّد العقد دون إرادتنا. فعلى سبيل المثال، فإن كثيراً من الاتفاقيات – مثل اتفاقية تقديم الدعم الفني لبرنامج حاسوبي- تتضمن نصا بالتجدد التلقائي للعقد لمدة إضافية مماثلة للمدة الأصلية في حال لم يشعر أحد الطرفين الطرفَ الآخر برغبته في إنهاء الاتفاقية قبل مدة محددة (مثلاً ثلاثين يوما) من انتهاءها. فإذا كان الطرف المتلقي للدعم الفني لا يرغب في تجديد الاتفاقية؛ فعليه حينئذٍ أن يوجه إشعاراً يبيِّن فيه رغبته بعدم تجديد الاتفاقية قبل دخوله في المدة المحددة في العقد التي يترتب عليها التجدُّد التلقائي. أي أنه إذا كانت المحددة للتجدد التلقائي ثلاثين يوماً قبل انتهاءه، فعلينا أن نوجه الإشعار إلى الطرف الآخر قبل انتهاء العقد بواحد وثلاثين يوماً على الأقل! وإخفاقنا في توجيه الإشعار قبل المدة المحددة؛ يترتب عليها تعاقدياً أن تتجدد الاتفاقية إلى مدة جديدة تلقائياً. وإذا تجددت الاتفاقية تلقائيا، توجب على الطرف المتلقي لخدمة الدعم الفني أن يدفع قيمة الاتفاقية، وإن كان غير راغبٍ في تجددها أو في حصوله على الخدمة.

وأمر آخر ينبغي مراعاته في هذا السياق متصل بمدة الاتفاقية، ويكثر وروده في العقود طويلة الأجل، كعقد إجارة استثماري لأحد المواقع بمدة تتجاوز العشر السنوات مثلا، وهو أن المدة الطويلة قد تكون سلاحا ذا حدين على طرفي الاتفاقية؛ وذلك عندما لا تكون هناك آلية منظمة للخروج من العقد قبل انتهاء مدته. وهذا الأمر سنتطرق للحديث عنه بتوسع عند تناولنا لعنصر “إنهاء الاتفاقية” في المدونة القادمة من هذه السلسلة.

وأقدم فيما يلي مثاليين على صياغة بندة مدة الاتفاقية، أحدهما يتعلق بالتجديد الكتابي والآخر بالتجدد التلقائي:

(حالة التجديد الكتابي)
“تسري ھذه الاتفاقیة لمدة [.] سنة ، تبدأ من التاریخ الوارد في مستھلھا وحتى تاریخ [../../..]. ویمكن للطرفین تجدید ھذه الاتفاقیة لمدة إضافیة بموجب محرر كتابي یوقع علیه الطرفان.”

أو

(حالة التجديد التلقائي)
“تكون مدة الاتفاقية سنة واحدة ميلادية تبدأ من التاريخ المبين في أول هذه الاتفاقية. وتتجدَّد هذه الاتفاقية تلقائيا لمدة أو مدد أخرى مماثلة، ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر كتابة برغبته في إنهاء هذه الاتفاقية قبل شهر على الأقل من تاريخ انتهاء المدة الأصلية أو أي مدة مماثلة تجددت فيها الاتفاقية” (ولكن قبل اعتماد بند التجدد التلقائي في اتفاقية ما، ينبغي مراعاة مأزق التجدد التلقائي الذي وضحته أدناه.)

مـأزق التجدد التلقائي: قد يحصل كثيرا أن ترغب شركة ما في عدم تجديد التعاقد مع طرف آخر، ثم تخاطب الإدارة القانونية أو مسؤول العقود بذلك، ولكن عند مراجعة العقد، يتبين أن العقد “يتجدد تلقائيا مالم يشعر أحد الطرفين الطرفَ الآخر برغبته في إنهاء الاتفاقية قبل مدة محددة (ثلاثين يوما مثلا)”، وأن الطرفين دخلا في مدة الإشعار دون أن يبدي أحدهما رغبته في الإنهاء ( أي تبقت عشرة أيام فقط على نهاية العقد)، وبالتالي فإن العقد وفق صيغته هذه قد تجدد وأصبحت المدة الجديدة نافذة أمام الطرف الذي يرغب في الإنهاء مالم يأذن الطرف الآخر رضائيا في إنهاء العقد. وهذا الأمر أيضا ينطبق على عقود الإجارة التي تتجدد تلقائيا في حال لم يشعر أحد الطرفين الآخر في رغبته بإنهاء العقد. وقد يرغب المستأجر في الخروج من العين المؤجرة وتسليمها عند انتهاء العقد، ولكنه يخفق في مراعاة بند التجدد التلقائي ثم يفاجأ بتجدد عقد الإجارة في مواجهته وأنه ملزم بدفع الأجرة! وهذا أسميه بمأزق التجدد التلقائي!

العنصر السادس من العناصر المشتركة هو الشروط التي يتفق عليها المتعاقدون في العقد.

الشروط التعاقدية

والشأن في الشروط التعاقدية أنها غاية في الأهمية، حيث أن عدم الوفاء بها من أحد أطراف العقد؛ قد يخوِّل الطرفَ الآخرَ الحقَّ في فسخ العقدأو طلبِ تعويضٍ مناسبٍ بحسب ملابسات العقد. وسأتناول العنصر هذا بشيءٍ من الإسهاب نظراً لأهميته. وسيكون تناولي له من جهتين: أولى تلك الجهتين هي ما ينبغي مراعاته عند صياغة الشروط التعاقدية، وثانيها هي أنواع الشروط من حيث النظر الشرعي وحكم كل نوعٍ منها.

أما الشرط في حقيقته فهو تطلُّب أمرٍ محددٍ أو صفةٍ معينةٍ في العقد، كان يمكن الوفاء بالعقد على تمامه دون وجود هذا الأمر المحدد أو الصفة المعينة. ومثال ذلك هو شرط الدفع المقدم كأن يطلب البائع من المشتري في عقد البيع أن يسدد الثمن مقدما قبل تسليم البضاعة. فهذا الشرط هو أمرٌ إضافيٌ على عقد البيع، لأن عقد البيع كان يمكن أن يقع على تمامه دون شرط الدفع المقدم. ومثال الشرط في جهة المشتري أن يشترط لوناً معيناً في السيارة التي اشتراها كأن تكون سوداء اللون. ومع وجود الشرط -كشرط الدفع المقدم لمصلحة البائع وشرط اللون الأسود لمصلحة المشتري – أصبح هذا الشرط جزءاً رئيساً من العقد، بحيث لا يتحقق تمام الوفاء بالعقد إلا بتحقق هذا الشرط، أي بأن يدفع المشتري الثمن مقدما وأن يسلم البائع السيارةَ المتفق عليها سوداءَ اللون، أو يوافق الطرف الذي كان الشرط لمصلحته على إسقاط الشرط.

أما من حيث اللغة الصياغية التي يتبغي استخدامها عند سبك الشرط التعاقدي، فينطبق على هذه اللغة الصياغية ما ينطبق عموما على لغة العقود (وقد سبق لي تخصيص تدوينة مستقلة عن لغة العقود) كأن تكون اللغة واضحة من غير إبهام أو غموض، وأن تكون محددةً بأن يراعى فيها تحديد نطاق المادة حتى يفهم منها ما يدخل فيها وما يخرجُ عنها، ولا يُدخلُ فيها ما ليس منها ولا تقصر عن الإحاطة بكامل المعنى المراد، وأن تكون دقيقة -قدر الإمكان- في الإفصاح عن الحكمِ المرادُ وضعُ المادةِ لإجله، وأخيرا أن تكون اللغة -في إسهابها- وسطاً بين الاختزال المخلِّ وبين التطويل المملِّ. والجانب الأهم الذي يتبغي مراعاته عند صياغة الشروط التعاقدية، هو يكون ذلك الشرط التعاقدي مؤطراً، وذلك بتحديد نطاقه حتى يفهم من ذلك الشرط أو الحكم لغةً ما يدخل في إطاره وما يخرجُ عنه، ولا يُدخَلُ فيه ما ليس منه. ويحسن التمثيل لتأطير الشروط التعاقدية وتحديد نطاقها بالشرط التعاقدي الذي يراد منه تحميل المستأجر شيئاُ من مسؤوليات صيانة العين المؤجرة، فإن الشرط إذا كانت مَصوغاً بطريقة عامة غير محددة بأن ينص على تحمل المستأجر صيانةَ العين المؤجرة (بهذا العموم)= فإن هذه الصياغة العامة يترتب عليها إمكانية أن تدخل الصيانة بأنواعها ضمن مسؤوليات المستأجر. فتدخُلُ ضمن مسؤوليات المستأجر الصيانةُ الاعتيادية كصيانة صنابير المياه أو طلاء الجدران. وتدخُلُ أيضا الصيانة ُالأساسية، كصيانة أساسيات البيت أو تسريبات الأسقف. وبالتالي فإن المادة التي يراد منها تقرير شرط تعاقدي بتحميل المستأجر مسؤولية الصيانة، ينبغي أن تكون محددةً ومؤطرةً بصورة سليمة بتوضيح ما إذا كانت الصيانة المقصودة هي الصيانة الاعتيادية فحسب أم أن المقصود هو الصيانة بنوعيها.

أما من حيث أنواع الشروط من حيث النظر الشرعي وحكم كل نوعٍ منها، فهذه على أنواع، وقد استقيت أحكامها من إجماع الفقهاء المسلمين (راجع رسالة الدكتوراة في مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية، للباحث الدكتور علي بن عبدالعزيز الخضير) وهي كما يلي:

1- ما يشترطه أحد المتعاقدين على الآخر بعد لزوم العقد (بعد توقيع الاتفاقية):

المراد بذلك، أن يشترط المشتري بعد توقيع عقد شراء سيارة -موقّعٍ في الرياض- على البائع أن يسلم السيارة إليه في جدة . وهذا الشرط لا يكون ملزما للبائع، ولا يكون جزءاً من العقد أو مؤثراً فيه. وذلك لأن العقد انعقد بينهما دون وجود هذا الشرط، فلا يكون ملزماً.

ولكن إذا فرضنا أن البائع -بعد توقيع العقد- وافق على تسليم السيارة في جدة، فهل يكون حينئذٍ ملزما تعاقدياً بتسليم السيارة في جدة أم لا؟

غالب الظنِّ أن موافقة البائع على تسليم السيارة في جدة -بعد توقيع العقد- ليست ملزمةً تعاقدياً للبائع، وأن القاضي سيعتبر هذا الشرط من قبيل التبرعات وليس من قبيل التعاقدات، والأصل في التبرعات أنها غيرُ ملزمةٍ لمن وعد بها.

إذن ما العمل؟! وكيف يضمن المشتري أن يكون البائع ملزماً تعاقدياً بأن يسلِّم السيارة في جدة؟

هذا الأمر يعتمد على الطريقة التي يوثِّق بها المشتري موافقة البائع على هذا الشرط. والتوثيق الذي ينشأ عنه الإلزام التعاقدي بشرطٍ طارئٍ بعد توقيع العقد، هو ما كان بواسطة توقيع الطرفين على ملحقٍ لتعديل العقد، على أن يُوضَّح – في ملحق التعديل – الشرطُ المرادُ إضافته في العقد. وبعد توقيع ملحق التعديل من الطرفين؛ يصبح الشرط الجديد جزءاً من العقد وليس منفصلاً عنه. وإذا أصبح الشرط جزءاً من العقد، كان الوفاء به لازماً تعاقدياً.

و هناك بندٌ يوجد في غالب العقود المدونة والتنظيمات التعاقدية، وهذا البند يتعلق بالتعديلات على العقد بعد إبرامه. ومفاد هذا البند عموماً أن أية تعديلاتٍ على العقد – يوافق عليها الطرفان- يجب أن تكون محررةً في وثيقة مكتوبة يوقع عليها الطرفان. ويستطرد البند في هذا الاتجاه، فيلغي الاعتبار لأي تعديلٍ -وإن اتفق عليه الطرفان- في حال كان هذا التعديل غير مكتوبٍ ولا موقَّعٍ عليه من طرفيه.

وهذا الأمر -في الواقع- من الأمور التي تصادف المستشار القانوني الداخلي في الشركات والجهات المختلفة، وذلك عندما تتواصل معه الإدارة المعنية بالمشاريع الإنشائية، وتخبره أن المقاول قد أخلَّ بأحد الشروط المتفق عليها وترغب في اتخاذ الإجراء القانوني اللازم. وعندما يستفسر من الإدارة المعنية عن هذا الشرط، وهل هو موجودٌ في العقد ووثائقه الفنية؟ تجيبه الإدارة المعنية أنَّ هذا الشرط ليس موجوداً في العقد ووثائقه الفنية، ولكن الطرفان اتفقا على هذا الشرط بعد إبرام العقد، وكان اتفاقهما أثناء الاجتماعات الدورية المخصصة لمتابعة تطور المشروع ذي العلاقة. وعندما يستفسر المستشار القانوني الداخلي عن المستند الذي يوثِّق اتفاق الطرفين، تفيده الإدارة المعنية أن المستند هو عبارة عن محضر الاجتماع (والذي قد يكون غير موقَّعٍ أو يكون موقَّعاً لكن من غير المخوَّلين بالتوقيع من الطرفين.) وهنا يجد المستشار القانوني الداخلي نفسَه مضطراً إلى أن يفيد الإدارة المعنية أن المقاول قد لا يكون ملزماً تعاقدياً بالوفاء بهذا الشرط. وذلك لأن الشرط كان بعد نفاذ العقد، ولم يراعَ فيه أن يوثق بالطريقة المنصوص عليها في العقد: أن يكون التوثيق بواسطة محرَّرٍ مكتوبٍ يوقَّع من المخوَّلين بالتوقيع من الطرفين.

2- الشروط الصحيحة في العقد:

الشروط الصحيحة التي يتفق عليها الطرفان في العقد يجب الوفاء بها – إجماعاً- وهي لازمةٌ تعاقدياً. ودليل ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً”. والشروط الصحيحة هي الشروط التي فيها مصلحة لأحدهما أو كليهما، وليس فيها مخالفة للشريعة أو مخالفةٌ للأنظمة المطبقة، وليست منافيةً للمقصود من العقد. كأن يشترط البائع على المشتري أن يكون الدفع مقدماً. ومن الشروط الصحيحة،اشتراط صفةٍ معتبرةٍ في المبيع، كأن يشترط المشتري لوناً معيناً للسيارة التي اشتراها، فهذا شرطٌ صحيحٌ يجب الوفاء به.

3- الشروط الباطلة في العقد:

وهي: أ- الشروط التي تتعارض مع مقصود العقد؛ كأن يبيع السيارة على مشترٍ ويشترط عليه البائع ألا يتصرف فيها، أو يشترط عليه ألا يتملكها. و ب- الشروط المخالفة لشرع الله -سبحانه وتعالى- كاشتراط الفائدة الربوية عند التأخر في دفع الثمن أو اشتراط ضمان رأس المال على المضارب. وج- الشروط المخالفة للأنظمة المطبقة والنظام العام؛ كاشتراط صاحب العمل على العامل (الموظف) أن يسخِّر نفسه لصاحب العمل (دون اعتبارٍ للحد الأعلى من ساعات العمل أو اعتبارٍ للحد الأدنى من الإجازات السنوية)، أو أن يطيعه طاعةً مطلقة في كافة أوامره وتعليماته حتى وإن كلَّفه تكليفاً دائماً بعملٍ يختلف جوهرياً عن العمل المتفق عليه، أو أن يتنازل عن إجازته السنوية.

أما الشروط التي تتعارض مع مقصود العقد، كأن يبيع السيارة على مشترٍ ويشترط عليه البائع ألا يتصرف فيها، أو يشترط عليه ألا يتملكها= فهذه شروطٌ باطلة لمنافاتها للمقصود من عقد البيع. ووجه منافاة الشروط السابقة لمقصود العقد؛ أنَّ المقصود من عقد البيع انتقال ملكية المبيع إلى المشتري وأن يكون له التصرف في المبيع، لكن الشروط السابقة ترمي إلى المنع من انتقال الملكية إلى المشتري والحظر المطلق عليه من أن يتصرف في المبيع؛ وهذا منافٍ لمقصود العقد.

ولكي نضرب مثالاً نُطبِّق فيه ما أوردناه أعلاه بشأن الشروط الصحيحة والباطلة، فلنفترضْ ما يلي: لو اشترط بائعٌ على مشتري السيارة أن يؤجرها المشتري على البائع مدة سنةً (“شرط الإجارة”)، فهل هذا شرط باطلٌ لمنافاته مقصود عقد البيع أو مخالفته للشرع والنظام؟ أم أنه شرطٌ صحيحٌ لأن فيه مصلحة مشروعة للبائع؟

لتمييز صحة الشرط من بطلانه، ننظر أولاً فيما إذا كان الشرط منافياً لمقصود العقد أو متناقضاً معه. وهنا فإن مقصود عقد البيع من جهة المشتري هو انتقال ملكية المبيع إلى المشتري وأن يكون له مطلق التصرف في المبيع، ومن جهة البائع استحقاقه للثمن. وشرط الإجارة لا يمنع من انتقال ملكية المبيع إلى المشتري، لأن عقد الإجارة تقع على منفعة المبيع وليس على ذات المبيع. أما كون شرط الإجارة سيقيِّد المشتري في تصرفه نظراً لأن منفعة المبيع ستكون مع البائع مدةَ الإجارة، فهذا صحيحٌ أنه قيدٌ على تصرف المشتري. لكن هذا القيد لا يلغي أن المشتري له مطلق التصرف في المبيع، بدليل أن المشتري يستطيع التصرف في المبيع بكافة أوجه التصرفات المتضمنة نقل الملكية كإعادة بيعه أو رهنه أو وقفه أو هبته. (من المفيد أن نراعي الفرق بين مطلق التصرف والتصرف المطلق؛ فالتصرف المطلق -في نظري- هو التصرف التام غير المقيد بشرط أو قيدٍ، بينما مطلق التصرف يكون بثبوت أصل التصرف وإن كان محدوداً ببعض القيود. فمطلق التصرف هو درجةٌ أدنى من التصرف المطلق.) وبالتالي، فإن شرط الإجارة ليس منافياً للمقصود من العقد.

ثم ننظر ثانياً -لتمييز صحة شرط الإجارة من بطلانه- إلى قضية مخالفته للشريعة من عدمها. وشرط الإجارة لا يظهر منه أنه مخالفٌ للشريعة.

ثم ننظر ثالثاً فيما إذا كان شرط الإجارة مخالفاً لأيٍ من الأنظمة المطبقة أو النظام العام. وشرط الإجارة هذا ليس مخالفاً لنظام مطبق أو النظام العام.

ثم ننظر أخيراً فيما إذا كان الشرط يحقق مصلحةً لأحدهما أو كليهما. وهذا الشرط – شرط الإجارة- في ظاهره يحقق مصلحةً للبائع. وقد نتسائل عن الموقف في حال شككنا في شرطٍ هل فيه مصلحةٌ أم لا؟ الجواب يتبين بملاحظة أن العقلاء لا يشترطون على بعضهم -غالباً- في عقودهم شروطاً لا مصلحة فيها ولا فائدة. لأن الشروطَ المجردةَ عن المصلحة والفائدة عبثٌ محضٌ، والعقلاء – في الغالب- يتجنبون العبث في عقودهم. وعليه، فأن الأصل في الشروط في العقد أنها تحقق مصلحةً لأحد الطرفين أو كليهما. فإذا شككنا في جدوى شرطٍ معينٍ، فنحكم بأن فيه مصلحة -ما لم يتبين لنا خلاف ذلك-.

وتأسيساً على ما سبق، نخلصُ إلى أن هذا الشرطَ – شرطَ الإجارة- شرطٌ صحيحٌ وليس باطلاً، لأنه لا يتنافى مع مقصود العقد، وليس مخالفاً للشرع، أو مخالفاً لنظامٍ مطبقٍ أو النظام العام، وفيه مصلحةٌ لأحدهما.

وبهذا العرض المقتضب، تطرقنا إلى أهم الاعتبارات المتعلقة بعنصرين مهمين من العناصر المشتركة، وهما مدة الاتفاقية، والشروط التعاقدية.
10 محرم 1441 الموافق 9 سبتمبر 2019