قضية تويتر ضد ماسك من منظور تعاقدي – نظرية الادعاء (الجزء الأول)

في تاريخ 8 يوليو 2022، استلمت السيدة فيجايا قادي “Vijaya Gadde”، الرئيس التنفيذي للشؤون القانونية في شركة تويتر، إشعارا قانونياً في هيئة خطاب مرسل من قبل شركة المحاماة العريقة سكادن وشركاؤه Skadden LLP بصفتها الممثل القانوني عن رائد الأعمال المثير للجدل وفاحش الثراء، ايلون ماسك في صفقة شراء شركة تويتر. وكان فحوى الإشعار إبلاغ تويتر بإنهاء ماسك لاتفاقية الاندماج “merger agreement” المبرمة بين شركة تويتر وبين ماسك وشركاته التابعة لغرض الاستحواذ على أسهم تويتر (ونشير إليها هنا بـ”اتفاقية الشراء”).

وبرَّر الإشعار القانوني تصرُّف ماسك بإنهاء اتفاقية الشراء من جانب واحد وبإرادته المنفردة بعدة أمور زاعماً أنها تضفي الشرعية القانونية على تصرِّف ماسك بإنهاء الاتفاقية منفرداً دون موافقة تويتر. هذه الأمور التي استند عليها الإشعار لتبرير الإنهاء الفردي لاتفاقية الشراء الملزمة اشتملت على المزاعم التالية:

  1. إخلال تويتر بالتزامها التعاقدي بشأن تمكين ماسك من الوصول – بصورة معقولة- إلى المعلومات المطلوبة لإتمام الصفقة.
  2. تدليس تويتر فيما يتصل بنسبة الحسابات الوهمية على منصتها حيث أن النسب الفعلية تتجاوز ما تؤكدُّه تويتر (كلمة ” تدليس” هي الترجمة التي أحبذها في هذا السياق لكلمة “misrepresentation” التي نصَّ عليها الإشعار).
  3. بناء على تدليس تويتر بشأن نسب الحسابات الوهمية، فإن النسبة الفعلية قد تتجاوز بنسب كبيرة النسبة التي أكدتها تويتر – بحسب تحليلات ماسك “المبدئية”-، وعليه يمكن اعتبارها (أي النسبة الفعلية المتجاوزة للنسبة التي أكدتها تويتر) حدثاً جوهرياً سلبياً يتصل بالشركة[1] “company’s material adverse event” طارئاً بعد توقيع اتفاقية الشراء.
  4. إخفاق تويتر في المحافظة على تسيير أعمال الشركة بعد توقيع اتفاقية الشراء على النحو المعتاد كما كانت قبل توقيع الاتفاقية.

وقد أشار الإشعار إلى الوقائع التي تعضد ادعاءاته أعلاه، وأشار كذلك إلى الأحكام التعاقدية بموجب اتفاقية الشراء التي تقرِّر التزامات تويتر القانونية بما مضمونه التمكين من الوصول المعقول إلى المعلومات المطلوبة، وصحة التأكيدات التي قدمتها تويتر وعدم التدليس، والمحافظة على تسيير الأعمال بصورة اعتيادية. وخلص الإشعار إلى أنه تأسيساً على انتهاك تويتر لالتزاماتها وتدليسها بشأن نسبة الحسابات الوهمية؛ أصبح لماسك حقاً تعاقدياً في إنهاء الاتفاقية منفرداً أو فسخها، وقد مارسه تبعاً لذلك وفق هذا الإشعار الذي يمثِّل المستند القانوني الذي يجسِّد ممارسة ماسك لحقه في إنهاء الاتفاقية.

ولنا أن نتساءل، كيف آلت الأمور إلى ما آلت إليه؟ وهل كان تصرف ماسك – بإنهاءه الاتفاقية بإرادة منفردة- سليماً تعاقدياً؟ وما هو موقف تويتر إزاء إشعار الإنهاء؟ وهل تويتر انتهكت الاتفاقية وأخلت ببعض أحكامها؟ وما هي الوقائع التي سبقت إشعار الإنهاء والتي ترى فيها تويتر تفسيراً منطقياً لسيرورة الأحداث وفق مجراها الحالي؟

هذه الأسئلة سنبحث في إجاباتها وفق نظرية الادعاء كما أوضحتها لائحة الادعاء التي أودعتها شركة تويتر لدى المحكمة المختصة في ديلاوير بتاريخ 12 يوليو 2022 (بعد أربعة أيام فقط من تاريخ إشعار الإنهاء!)، في قضيتها التي أثارتها ضد ماسك، وما زالت في بداياتها عند كتابة هذا المقال.

مفهوم نظرية الادعاء ونظرية الدفاع

القضايا ليست وليدة الصدفة. بل هي نتيجة لسلسلة من الأحداث والوقائع والتصرفات القانونية وغير القانونية التي جرت بين أطراف النزاع والتي من رحمها تمخضت الخصومة، ثم ولدت كنزاعٍ قضائي في أروقة المحاكم. وبالتالي فإن النزاع القضائي هو كلٌّ مكوَّنٌ من أجزاء، وهذه الأجزاء تشمل كافة الوقائع المؤثرة والتصرفات القانونية وغير القانونية بين طرفي الخصومة، كما تشمل الحقوق التي يطالب بها المدعي، والدفوع التي يتقي بها المدعَّى عليه مطالب المدِّعي في دعواه.

وطالما كان النزاع القضائي مرتبطاً بوقائع وأحداث سابقة في الوقوع على النزاع القضائي، وطالما كانت هذه الوقائع والأحداث مشتركةً بين طرفي النزاع – رغم ما قد يكون من اختلاف نظرتهم إلى هذه الوقائع وتفسيرهم لها-، وطالما كان فهم هذه الوقائع والأحداث مؤثراً في الحكم القضائي ومنتجاً فيه، فإن مفهومي نظرية الادعاء ونظرية الدفاع يصبحان من الأهمية بمكان، حيث أن المدعي – وفق نظرية الادعاء- سيسعى إلى تبني رؤية تفسِّر الأحداث والوقائع الجوهرية في نظره المكوِّنة للنزاع، ثم تنتظمها وفق سرديةٍ “narrative” محكمةٍ تهدف إلى بلورة موقفه القانوني في القضية وتأسيس حقه القانوني في مطالبه التي تضمنتها دعواه. وفي مقابل ذلك، فإن مفهوم نظرية الدفاع “defense theory” أنها رؤية لتفسير الأحداث والوقائع وفق سردية محكمة تهدف إلى تأسيس المشروعية القانونية لتصرفات المدعى عليه، ومن ثم نقض نظرية الادعاء وتقويض مطالب المدعي تبعاً لذلك.

لماذا قد يهمُّنا تأسيس مفاهيم تتعلق بالتقاضي -مثل نظرية الادعاء والدفاع- ونحن في صدد تناول القضية من منظور تعاقدي؟

ذلك لأن هذه النظريات في واقع الممارسة تتكون ملامحها في وقت مبكر من علاقة الأطراف، وذلك بعد أن يشوب علاقتهم شوبة الاختلاف، وعند تصاعد حدة التوترات، وذلك غالباً قيام العلاقة التجارية وقبل اللجوء إلى النزاع القضائي. بل أن المستشار القانوني اللبيب وإدارة الشركة الفطنة تتنبه إلى تلك العلاقات التعاقدية “النادرة” التي تبدأ بالانحراف عن المسار التجاري الاعتيادي وتتخذ سياقاً تنازعيا متوتراً، ومن ثم تشرع في بلورة موقفها القانوني مبكراً ورصد الأحداث المؤثرة، ومراعاة تصرفاتها القانونية والتزاماتها التعاقدية ومراسلاتها الرسمية وغير الرسمية، وتطوير سردية للأحداث تعزِّز من مواقفها المشروعة وتحافظ على سلامة مواقفها تحسباً من نشوء النزاع القضائي أو تمهيداً له. وهذا ما فعله كلا الطرفين في القضية الحالية حيث أن كل منهما قد عيَّن شركة قانونية مختصة في شؤون التقاضي والنزاعات وأشركها في مجريات الأحداث مبكراً قبيل نشوب النزاع القضائي[2] (وهذه الشركات قد عُيِّنت بالإضافة إلى الشركات القانونية التي عينها الطرفان لإدارة الصفقة من الناحية القانونية – مما يدلُّ على أن طبيعة الأعمال القانونية والكفاءات المطلوبة لإدارة الصفقة قانونياً تختلف جوهرياً وموضوعيا عن تلك المطلوبة لإدارة النزاعات القضائية).

موقف تويتر من إشعار الإنهاء

في تاريخ 12 يوليو 2022، أي بعد أربعة أيام فقط من تاريخ إشعار الإنهاء!، استهلَّت تويتر النزاع القضائي برفعها قضيةً لدى المحكمة المختصة في ديلاوير “Delaware”- وهي المحكمة التي اتفق الطرفان بموجب اتفاقية الشراء على انعقاد الاختصاص القضائي لها عند نشوب أي نزاع قضائي بشأن الاتفاقية-، وأودعت لائحة الادعاء التي استند عليها في كتابة هذا المقال. ولائحة الادعاء تقع في 60 صفحة تتناول مجريات الأحداث والوقائع وتشرح نظرية الادعاء بتفصيل، كما أرفق بها عدة ملحقات تشمل نسخة كاملة من اتفاقية الشراء، ونسخة من إشعار الإنهاء المشار إليه، وملحقات تتعلق باتفاقيات تمويلية وتعهدات أبرمها إيلون ماسك مع جهات تمويلية لغرض تمويل الصفقة.
وسرعة إعداد لائحة الادعاء ورفع القضية ضد ماسك بعد أربعة أيام من إشعار الإنهاء يشيران إلى استعداد تويتر المبكر للتقاضي وإدراكها وتحسبها لـ “خطر التقاضي” “litigation risk” المرتبط بالصفقة، كما يشير أن رفعها للقضية لم يكن ردة فعل غاضبة استفزها إليها ماسك، بل كان قراراً محسوباً تجارياً وقانونياً لتصرفٍ كانت تويتر تتنبأ به بل ترى مجريات الأحداث سائرة نحوه – كما توضح ذلك أكثر نظرية الادعاء-. أما ما لمَّح إليه إيلون ماسك متهكماً من خلال حسابه على تويتر (الشكل أدناه) من كون تويتر برفعها القضية قد وقعت في الفخ لأن ستضطر لكشف معلومات سرية حساسة على العموم حتى تدعم دعواها في القضية؛ فهو في اعتقادي – على فرض اضطرارها لكشف معلومات سرية من أي نوع لتأييد موقفها- أمرٌ أخذته تويتر في الحسبان قبل شروعها في الإجراءات القضائية، ودرست تأثيره عليها، واتخذت قرارها عالمةً به لا جاهلةً به.

ومطالب تويتر بموجب لائحة الادعاء تتلخَّص في أن تعتبر المحكمة اتفاقية الشراء نافذةً أحكامها في مواجهة ماسك – رغم “محاولة” ماسك إنهائها بموجب خطاب الإشعار، وأن تلزمَ المحكمة ماسك بتنفيذ الاتفاقية “specific performance” واتمام الصفقة بأن يكمل كافة الإجراءات المطلوبة لشراء تويتر رغماً عن تصرفه القانوني المنفرد -غير المشروع عقدياً وفق لائحة الادعاء- بإنهاء الاتفاقية.

فما هو تسلسل الأحداث وفق نظرية الادعاء؟ وكيف أسست تويتر مطالبها القانونية باعتبار الإنهاء غير مشروع تعاقدياً وإلزام ماسك بتنفيذ الاتفاقية وإتمام الصفقة؟ سنتطرق إلى ذلك في الجزء الثاني من هذه المقالة بإذن الله.

أحمد التميمي
20 يوليو 2022

هوامش
[1] تمييزاً له عن الأحداث الطارئة السلبية غير المتصلة بالشركة (وإن كانت مؤثرة عليها) مثل حدث تذبذب العملة أو انهيارها، ومثل حدث اضطراب الأسواق المالية وغيرها من الأحداث التي ليست للشركة المستحوذ عليها (تويتر) يدٌ في التحكم فيها أو قدرة معقولة على تجنبها. وعليها فإن اتفاقية الشراء تميِّز بين طبيعة هذه الأحداث بحيث أن الأحداث الجوهرية السلبية المرتبطة بالشركة (أي التي تقع تحت قدرة الشركة المعقولة على التحكم أو التأثير بها) قد تخوِّل الطرف المشتري (ماسك) الحق في الإنهاء بإرادة منفردة. [2] يظهر ذلك في مراسلات إيلون ماسك الرسمية التي كان يبعثها نيابة عنه ممثله القانوني (شركة سكادن للمحاماة)، حيث كانت شركة المحاماة المختصة في التقاضي – المعينة من قبل ماسك- تضاف إلى تلك المراسلات كجهة يجب تزويدها بنسخة من تلك الوثائق.