خطوات صياغة اتفاقية – تجربتي في صياغة اتفاقية نوعية

رصد دقيق لمراحل صياغة اتفاقية نوعية، أعرضها من خلال تطبيق عملي على اتفاقية نوعية صُغتها مؤخراً.

الوصول إلى نتيجة متقنة يشبه صعود السلم؛ كلاهما يمرُّ بمراحل محددة..

هناك بعض العقود التي تحتل مساحة ليست بالصغيرة من قلبي وتستحوذ على جزء كبير من اهتمامي أثناء العمل عليها والتحضير لصياغتها. ولعل الشأن في ذلك والسببَ يعود إلى نبل الهدف الذي أسعى لتنظيمه من خلال العقد، أو أنه يعود إلى حداثة موضوع العقد – بالنسبة إليَّ أو بالنسبة إلى الواقع المحلي-، أو أنه يعود إلى طبيعة المعضلة (أو المعضلات) الفنية التي يعرضها العقد وتستحث ملكات البحث والتأمل والتحليل (والابتكار القانوني إن صح الوصف!).

والعقد الذي سأعرض تجربتي في صياغته قد اجتمعت فيه الأمور الثلاثة؛ فالغاية من العقد غايةٌ نبيلةٌ تلامس أمراً أشعر بالمسؤولية الأخلاقية تجاهه، وموضوعه جديدٌ بالنسبة إلي وبالنسبة إلى الواقع المحلي، وهناك عددٌ لا بأس به من المعضلات القانونية الفنية التي يعرضها العقد.

وحكاية العقد أن صديقاً قديماً اتصل بي ليعرض مشروعاً طموحاً يعمل عليه، وهو إنشاء إكاديمية عبر الانترنت لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. وبعد الاتصال، اجتمعنا في أحد مساحات العمل المشتركة، وعرض علي بشكل موجزٍ تصوُّر المشروع وخطة عمله، والمراحل الفعلية التي تحققت، وأسماء الخبراء الذين اجتمع معهم لمناقشة المشروع، وبعضهم خبراء في اللغة، وآخرون خبراء في التقنية، وخبراء في التعليم الإلكتروني، وخبراء في الأعمال التجارية. ثم تطرق الصديق القديم إلى الأثر المتوقع من المشروع وهو تمهيد الطريق لتعلم اللغة الأم أمام الآلاف بل الملايين من الراغبين في تعلم اللغة العربية سواء كانوا من المسلمين الذين يرغبون في تعلم لغة دينهم، أو كانوا من غير المسلمين ويرغبون في تعلم اللغة العربية لغرض العمل في مجتمعات عربية أو التواصل معها أو دراسة الإسلام. وإلى هذا الحد، ولكوني مغرماً باللغة العربية التي “في أحشائها الدرُّ كامنٌ”، فقد أنعمت النظر في وجه الصديق القديم منتظراً على لَهَفٍ أن يخبرني عن المساهمة التي يريدها مني. وأخيراً تطرَّق إلى الموضوع الذي يطلب مساهمتي القانونية فيه وهو ما سأعرضه أدناه.
ولتوضيح الأمر، فإن بناء الأكاديميات التعليمية الإلكترونية عملٌ معقدٌ ومركبُ من عدد من المكونات الرئيسية الضرورية مثل المنصة الإلكترونية التي تجسد البيئة التعليمية، ومثل المعلمين المؤهلين لإدارة وتقديم عملية تعليمية عبر الانترنت. ومن أهم هذه المكونات الضرروية هو المنهج التعليمي الذي ترتكز عليه العملية التعليمية أو بعبارةٍ أخرى: المحتوى الموضوعي للعملية التعليمية.

وذكر الصديق أن المنهج التعليمي الذي وقع اختياره عليه، هو منهج (مطبوعٌ)، تصدره إحدى الجهات، مخصصٌ لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ومعتمد في عدد من المؤسسات التعليمية. وهذا المنهج مؤلفٌ من أجزاء ويبتدأ أوله بتعليم الحروف وينتهي آخره بتعليم التحدث باللغة العربية بطلاقة. وكان صديقي على اتصالٍ وثيقٍ بالجهة المصدرة تلك، وعرض عليها فكرة مشروعه. ووافقت الجهة – بحمد الله- على التعاون التجاري مع الصديق وعلى أن يكون منهجها هو المنهج المعتمد للأكاديمية الإلكترونية، ولكن لم يتفقا بعد بشكلٍ نهائي على الإطار المنظم للعلاقة التجارية بينهما، وإن كان لديهما مقترحٌ مبدئي لشكل العلاقة . وكان هذا المحور أول المحاور للمساهمة القانونية.
إطار العلاقة التجارية / الشكل القانوني / الهيكلة
كان المقترح المبدئي الذي تفاهم صديقي مع الجهة بشأنه هو أن تدخل الجهة مع الصديق كشريكٍ في الشركة التي ستؤسس لغرض تطوير الإكاديمية الإلكترونية وتشغيلها. والغرض من دخول الجهة شريكاً مؤسساً في الشركة هو أن تضمن الجهة حصولها على أرباح من الاستغلال التجاري لمنهجها. ثم سألني صديقي ما إذا كنت أرغب في صياغة عقد الشراكة هذا.

وهنا استفهمت منه حول ما إذا كان هو – في حقيقة الأمر- يرغب في دخول الجهة شريكا مؤسساً في الشركة، مما يجعل لها صوتا مؤثراً عند اتخاذ القرارات الإدارية الحرجة مثل رفع رأس المال أو خفضه، أو تعيين مدير للشركة أو عزله، أو دخول شركاء إضافيين ومستثمرين. فأخبرني أنه ليس حريصاً على ذلك، لأن دخولها شريكا سيضيف أعباء إدارية في مرحلة تأسيس الشركة، وأيضاً أثناء شروعها في مراحل بناء الإكاديمية والتي تتطلب سرعة ومرونة في اتخاذ القرارات الحاسمة. ثم استفهمت منه مرة أخرى عما إذا كانت الجهة ذاتها حريصةً على دخولها كشريكٍ مؤسس في الشركة وبالتالي انخراطها في اتخاذ القرارت الخاصة بالشركاء، وكونها معرضة للمسؤولية القانونية للشركاء في الشركة وفق نظام الشركات، وأيضاً كونها ليست فقط ستتقاسم الأرباح وإنما ستتقاسم أيضا خسائر الشركة مع بقية الشركاء. فذكر لي صديقي أن الجهة ربما لا ترغب في دخولها في تعقيدات الشراكة واحتمالية المسؤولية القانونية وأيضاً كونها ستتقاسم الخسائر مع بقية الشركاء.

وبعدهافهمت من هذا الحوار أن رغبة الجهة هو فقط في الحصول على الأرباح، وأن ليس لها تطلعٌ للدخول شريكاً في الشركة. وبناء على هذا الفهم،ذكرت له أن المقترح المطروح بدخول الجهة شريكاً مؤسساً قد لا يكون هو الشكل القانوني المناسب لتأطير العلاقةالتجارية بينهما. فقال لي: وماذا تقترح؟ فأشرت إليه أن الشكل الأنسب من وجهة نظري هو أن تدخل الجهة في اتفاقية ترخيصٍ مع شركته التي ستؤسس لتطوير الإكاديمية الإلكترونية، بحيث تمنح الجهةُ الشركةَ الحقَّ في استغلال المنهج تجارياً في الإكاديمية الإلكترونية. وتستحق الجهةُ مقابلَ الترخيص نسبةً محددةً من العوائد أو الأرباح التي تنتج عن الاستغلال التجاري للمنهج في الإكاديمية الإلكترونية. ثم أضفت – مدعماً الشكل الذي اقترحته بذكر الفوائد من تبني هذا الشكل- قائلاً: وفي حال موافقتكما على شكل العلاقة القائم على اتفاقية الترخيص، فإن الجهة ستضمن حصولها على نسبة من الأرباح -عند وجود الأرباح-، وستضمن عدم تحملها أية مسؤولية عن خسائر الشركة وأنها ليست معرضة لأي مسؤولية قانونية تلحق الشركاء في الشركة في الأحوال المنصوص عليها في نظام الشركات. ثم أضفت: وفي المقابل، فإنك ستضمن أن يبقى لديك المرونة الكافية والتحكم المطلق في اتخاذ القرارات الضرورية لتسيير أعمال الشركة أو حال رفع رأس المال أو خفضه، أو تعيين مدير للشركة أو عزله، أو دخول شركاء إضافيين.

فاقتنع بذلك. ثم ذكر لي أنه سيعرض المقترح على الجهة للنظر في تقبلها له. ثم بعد أن عرضه لاحقاً على الجهة، اتصل علي مخبراً أن الجهة قد قبلت -بحمد الله- المقترحَ بقناعةً تامةً، وأنها ترغب منا في صياغة الاتفاقية الملائمة حتى يتسنى لها مراجعتها واعتماده

وهكذا، يتبين لي مرةً أخرى، أنَّ أول مرحلةٍ في صياغةِ أي عقدٍ تتمثل في الفهمِ الجيد لطبيعة المشروع وأبعاده، ثم الفهم الجيد لرغبات وأهداف طرفي العلاقة التجارية التي تحملهم على الدخول فيها. ثم بعد الفهم لطبيعة المشروع وأهداف الأطراف، ينبغي التفكير في احتمالية وجود أشكالٍ قانونيةٍ أنسب لتحقيق أهداف الأطراف، ثم عرض هذه الأشكال على العميل وبيان إيجابياتها وسلبياتها ومقارنتها بالشكل الذي اقترحه هو في بداية الأمر (إن كان قد اقترح شكلاً معيناً). أما الأثر المترتب على هذه المرحلة في حال أدائها بكفاءة، هو: (أ) اقتراح الشكل القانوني المناسب للعلاقة التجارية وبيان إيجابياته وسلبياته ومقارنته بالأشكال الممكنة الأخرى، ثم (ب) اقتراح العقود أوالاتفاقيات اللازمة لتنفيذ هذا الشكل القانوني المقترح.

وكقاعدةٍ عامةٍ، ليس العقد الذي يقترحه العميل يكون بالضرورة العقدَ الأنسب له، بل قد تكون هناك عقود أكثر ملائمة لاحتياجات العميل من العقد الذي اقترحه ابتداءً. ولذا ينبغي أن تكون لصائغ العقد أذنٌ واعيةٌ تصغي بانتباه للعميل لتفهم عنه بدقةٍ احتياجاته ومتطلباته، وأن يكون له لسانٌ سؤول يستفهم به عما خفي عنه أو أشكل عليه من احتياجات العميل ومتطلباته.

مرحلة الصياغة / الخطوط العريضة / تصميم الشكل القانوني
كما ذكرت سابقاً من أن الجهة قد قبلت المقترحَ القائم على اتفاقية الترخيص، وأنها ترغب منا في صياغة الاتفاقية الملائمة حتى يتسنى لها مراجعتها واعتمادها، وصياغة الاتفاقية الملائمة تتطلب أن أتفق مع الصديق على الخطوط العريضة والنقاط الأساسية المكونة لاتفاقية الترخيص حتى أتصدى لصياغة مسودة الاتفاقية. وبالتالي، فقد اجتمعنا مرةً أخرى للاتفاق على الخطوط العريضة المكونة لاتفاقية الترخيص. وكقاعدة عامةٍ، فإن صائغ العقد – رغم أهمية توخيِّه لقواعد العدالة ومراعاة عدم مخالفته للشريعة- إذا كان ممثلاً لأحد طرفي التعاقد وليس كليهما، يضع مصلحة عميله نسبياً فوق مصلحة الطرف الآخر، ويراعي أهداف عميله قبل أهداف الطرف الآخر. فعملية صياغة العقد ليست – في الغالب- عمليَّةً محايدة تنظر إلى أهداف طرفي العلاقة ومصالحهم باتزانٍ وعلى حدٍّ سواءٍ، بل هي عمليَّةٌ – في وجهة نظري – تفترض ابتداءً أن هناك أهداف أعلى من أهداف، ومصالح أولى من مصالح. وتلك المصالح ذات الأولوية والأهداف العليا هي مصالح وأهداف العميل الذي يقف صائغ العقد إلى جانبه.

نطاق الترخيص: كان أول نقاش تداولناه يتعلق بنطاق الرخصة التي ستمنح للعميل؛ هل تكون حصرية أم غير حصرية، وهل تكون دوليةً أم ضمن نطاق جغرافي محدد ونحو ذلك. ولأن نطاق الترخيص أو منح الرخصة هو جوهر اتفاقية الترخيص، فهناك عناصر أساسية يجب تحديدها والنص عليها ضمن نطاق الرخصة، وهي كما يلي:

  1. المانح والممنوح له: يذكر هنا مانح الرخصة “الجهة” والممنوح له “العميل”.
  2. الحصرية من عدمها: هل تكون الرخصة حصراً على من مُنِحتْ له، أم أنه يكون لمانح الرخصة الحق في منح رخص إضافية لأطراف أخرى؟ وللتوضيح، فإن عدم النص على الحصرية وإغفال التطرق لها، قد يعني أن الرخصة مُنحتْ على أساسٍ غير حصريٍ.
  3. النطاق الإقليمي: هل تكون الرخصة دولية في سائر دول العالم وأقاليمه، أم أنها تختص بدول معينة أو إقليم مخصص؟
  4. المجانية أو توليد العوائد: هل منحت الرخصة مجاناً من غير مقابل مادي أم أنه هناك مقابل مادي و”عوائد” (royalties) مفروضة على الرخصة؟
  5. الترخيص من الباطن، وقابلية التنازل عن الرخصة أو نقلها إلى طرف آخر: هل يحق للمرخص له أن يرخِّص لغيره باستخدام الحقوق محل الترخيص أو يتنازل عن رخصته وينقلها إلى غيره أم لا؟
  6. الرخصة ومحل الترخيص والاستخدامات المشروعة: وهنا ينص على منح الرخصة، وأن المانح (المرخِّص) يخوِّل الممنوح له (المرخَّص له) حق الاستخدام أو الاستغلال التجاري لمحل الترخيص. أما محل الترخيص فيقصد به: الأصل غير المادي المحمي بحق الملكية الفكرية. ومثاله العلامة التجارية، أو المنهج التعليمي المحمي بحق المؤلف. أما الاستخدامات المشروعة بموجب الرخصة، فيعنى بها مثلاً في حالة المنهج التعليمي الذي سيستخدم في الإكاديمية الإلكترونية: (أ) تحوير المناهج التعليمية المحددة في الاتفاقية وتحويلها إلى منهج الكتروني تفاعلي، و (ب) الاستغلال التجاري للمناهج التعليمية بعد تحويرها.

العوائد على الترخيص: سبق أن ذكرت أن الشكل المقترح للعلاقة التجارية هو الدخول في اتفاقية ترخيص بحيث تمنح الجهة العميلَ الحقَّ في استغلال المنهج تجارياً في الإكاديمية الإلكترونية؛ على أن تستحق الجهة مقابل الترخيص نسبةً محددة من العوائد أو الأرباح التي تنتج عن الاستغلال التجاري للمنهج في الإكاديمية الإلكترونية. وعليه، فقد جرى النقاش حول مقابل الترخيص: هل يكون نسبةً من الإيرادات (revenue ) أم نسبةً من الأرباح (profits). وهذا الأمر له تأثيرٌ جوهريٌ على الشكل التجاري للاتفاقية، ويتبيّن هذا التأثير فيما يلي: أن الإيرادات تعني “الدخل الذي تحققه المنشأة من خلال نشاطها الاقتصادي” وتعرض ” الايرادات في أول قائمة الدخل ثم يتم خصم مصاريف الايردات لأجل الحصول على مجمل الربح. وبعدها يتم خصم باقي المصروفات وإضافة الايرادات الاخرى إلى أن نصل إلى صافي الربح“. أي أن الإيرادات تعني جميع الدخل المحقق من ممارسة الإكاديمية لنشاطها التجاري وذلك قبل خصم المصروفات والتكاليف التي تكبدتها في غرض ممارسة نشاطها التجاري وتقديمها للخدمة.

وبعيداً عن التعقيدات المحاسبية في تحديد الإيراد ومما يتكون وماذا يخصم منه؛ فإنه يكفينا أن نتفطن للآتي: في حال كان مقابل الترخيص نسبةً من الإيرادات؛ فإن العميل ملزمٌ تعاقدياً بدفع هذه النسبة إلى مانح الترخيص بغض النظر عن تحقيق الإكاديمية لأرباح من عدمها وحتى إن كانت الإكاديمية قد تعرضت لخسائر ، وذلك طالما كانت هناك إيرادات. أما إذا كان مقابل الترخيص هو نسبةٌ من صافي الربح؛ فإن النسبة ستقتطع – بعد حسم كافة المصروفات من الإيرادات – من صافي الربح المتبقي في حال تحقيق أرباح. وبالمختصر، فإن كون مقابل الترخيص نسبةٌ من صافي الربح أفضل عموماً للمرخَّص له (أي عميلي في هذه الحالة)، أما كونه نسبةٌ من الإيرادات فهو أفضل للمرخِّص. والقرار بجعل مقابل الترخيص نسبة من الإيرادات أو الأرباح؛ هو بطبيعته قرارٌ تجاريٌ يتفق عليه طرفا اتفاقية الترخيص.
ونصحت العميل باستشارة متخصصٍ في الأمور المحاسبية حتى يطلعه على الفروق بين النموذج القائم على الإيراد وبين النموذج القائم على صافي الربح، وذلك لأن دوري يقتصر على إثارة هذا الموضوع وتوضيح أبعاده التعاقدية، أما المعطيات الفنية الأخرى التي سيبني عليها العميل قراره التجاري، فينبغي أن يستقيها من المتخصص في الموضوع ذي العلاقة.

أخيراً، وفيما يتعلق بالعوائد على الترخيص، فينبغي النظر في تحديد الوعاء الذي سوف تستخلص منه نسبة الأرباح أو الإيرادات: هل يكون الوعاء مشتملاً على الإكاديمية – ككلٍ- بكافة أعمالها وأنشطتها وخدماتها؟ أم أن الوعاء سيقتصر على المنتجات التي استندت -بصورة مباشرة- على الحقوق المشمولة بالرخصة؟ وتحديد الوعاء يظهر أثره عند تطور أعمال الإكاديمية وإضافتها لمنتجات وخدمات أخرى قد لا يدخل في تصميمها الحقوق المشمولة بالرخصة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وذلك لأنه من المتصور مستقبلاً أن تتوسع الإكاديمية بإضافة – على سبيل المثال- خدمة لتطوير مهارات اللغة العربية، وتكون موجهة للناطقين باللغة وليس للأعاجم عنها. وحيث أن اتفاقية الترخيص هي اتفاقية طويلة الأمد – عشرة سنوات-، فينبغي على صائغ العقد التفكير في الاحتمالات وشيكة الحصول ضمن منظور زمني طويل نسبياً. وللتنبيه، فإن تحديد الوعاء يعدُّ قراراً تجاريا في نهاية المطاف، ولكن عليَّ كصائغٍ للعقد إثارة الأمر للعميل حتى يتخذ العميل قراره بشأنه.

وكقاعدة عامةٍ أخرى، فإن دور صائغ العقد هو إثارة الأمور التجارية التي لها تأثير جوهري على صياغة العقد، ويكون على العميل أن يتخذ القرارات التجارية بشأنها، أي أنه ليس من دور صائغ العقد أن يتخذ القرارات التجارية بالنيابة عن عميله.

مدة العقد / خطر فسخ العقد
حيث أن اتفاقية الترخيص هي اتفاقية طويلة الأمد، ورئيسية في نموذج عمل الإكاديمية، وسيبنى عليها أعمال أساسية تتمثل في تحوير المنهج محل الترخيص إلى منهج الكتروني تفاعلي عبر الانترنت، وما يترتب على هذه الأعمال من تكاليف رأسمالية ونفقات سيتكبدها العميل؛ كان نتيجة ذلك كله أنه ينبغي عليَّ التفكير ملياً في مدى إلزامية الاتفاقية لأطرافها -وتحديداً مانح الترخيص-، وهل بمقدور مانح الترخيص التخارج من الاتفاقية بإنهاءها أو فسخها قبل مدتها المحددة للانتهاء؟

هذا الأمر استدعى مني النظر في طبيعة اتفاقية الترخيص من حيث التكييف الفقهي لها. وينبغي مراعاة أنّ مِنَ العقود – في الفقه الإسلامي- ما هو لازمٌ لأطرافه فلا يجوز في الأصل لأي من طرفيه فسخه أو إنهائه بإرادته المنفردة، باستثناء ما إذا نصَّ في العقد على منح حق الإنهاء بإرادة منفردة لأحد طرفي العقد أو كليهما، أو كان الإنهاء بإرادة منفردة من أحد طرفي العقد بسبب إخلال الطرف الآخر الجوهري ونصَّ العقد على ذلك. ومثال العقود اللازمة – عقد الإجارة وعقد البيع. وِمنَ العقود في الفقه ما هو جائز الفسخ من أحد أطرافه بإرادته المنفردة وإن لم يكن هناك نص تعاقدي يتيح له ذلك، وإن لم يبدر من الطرف الآخر إخلالٌ جسيمٌ بأحد التزاماته في العقد، وإن لم يرض الطرف الآخر بهذا الإنهاء. ويمثل لها بعقد الوديعة والإعارة وعقود المشاركات كالمضاربة ونحوها.

والتفكير في التكييف الفقهي للاتفاقية من ناحية أثره على جواز الفسخ أو لزوم العقد، أوصلني إلى نتيجة فحواها أن دفع الاتفاقية نحو تكييفات فقهية مستندة على عقود الإجارة والبيع سيكون أقوى في لزومها على الطرفين ولكنه أكثر مخاطرة من ناحية أخرى سيجري توضيحها لاحقا، أما دفع الاتفاقية باتجاه تكييف فقهي مستند على عقود المشاركات سيكون أضعف في اللزوم الفقهي – أي أن خطر الفسخ سيكون قائماً- ولكنه أقل مخاطرة من الناحية الأخرى التي سأتطرق لها بعد قليل. وهكذا أودى بي التفكير في التكيييف الفقهي إلى الخروج بثلاثة تكييفات وهيكلات قانونية ممكنة لاتفاقية الترخيص وهي كما يلي:

  1. عقد إجارة يقوم بموجبه مانح الترخيص بتأجير منفعة استخدام الحقوق المشمولة باتفاقية الترخيص إلى العميل، وذلك مقابل مبلغ سنوي محدد في الاتفاقية يدفعه العميل.
  2. عقد بيع آجل بالتقسيط، يتفق فيه الطرفان على سعر إجمالي للحقوق المشمولة بالترخيص، ثم تبيع الجهة الحقوق إلى العميل مقابل هذا السعر على أن يسدد وفق أقساط سنوية على مدى العشرة سنوات.
  3. عقد مشاركة، تمنح الجهة بموجبه العميلَ الحقَّ في استغلال الحقوق المشمولة بالترخيص على أن تستحق الجهة مقابل الترخيص نسبة محددة من الأرباح أو الإيرادات التي تنتج عن الاستغلال التجاري للحقوق في الإكاديمية الإلكترونية.

خطر الفسخ: مما ينبغي مراعاته أن خطر الفسخ يتعاظم بعد إطلاق الإكاديمية وتكبد العميل لتكاليف طائلة لتحوير المنهج الكترونيا. بل إن خطر الفسخ يتعاظم كثيراً عند نجاح الإكاديمية وتحقيقها لمدخولات عالية مما قد يطلق شرارة الاختلاف حول العوائد على الترخيص المستحقة للجهة؛ لأن الجهة ربما تطالب بإعادة التقييم لنسبتها من الأرباح أو الإيرادات في ضوء المدخولات العالية التي تحققها الإكاديمية. ومن ناحية أخرى، فإن خطر الفسخ يمثل خطراً وجودياً على الإكاديمية الإلكترونية نظراً لأن بناءها الرقمي سيشيَّد على أرضية الحقوق المشمولة بالترخيص. واختلال هذه الأرضية أو التهديد بسحبها يحمل في طياته عواقب على استقرار الإكاديمية وعلى تقييمها المالي وعلى رغبة المستثمرين في الاستثمار فيها أو الإحجام عنها.

التكييفات الفقهية: وبالعودة إلى الهيكلات القانونية والتكييفات الفقهية الممكنة للعقد، فإنه يلحظ أن العقدين – عقدَ الإجارة وعقدَ البيع بالتقسيط- هما عقدان لازمان وفق النظر الشرعي، فلا يجوز لأي من الطرفين فسخ العقد أو إنهاءه بإرادته المنفردة. ولزوم العقد شرعاً يبعث على الاطمئنان النسبي عند دراسة خطر قيام الجهة بفسخ العقد بإراداتها المنفردة.

ولكن في المقابل فهناك ناحية أخرى يجب ألا نغفل النظر عنها. وهي أن المبالغ الإجارية السنوية الخاصة بعقد الإجارة، أو الأقساط السنوية في حال البيع الآجل؛ ستشكل ديوناً واجبة الوفاء في ذمة العميل (أو الكيان القانوني الخاص بالعميل إن كان له ذمةٌ مستقلة) بمجرد إبرام العقد. أي أن العميل بغض النظر عن تعثر الإكاديمية أو إغلاقها قبل استيفاء مدة العقد، أو عدم تحقيقها لإيرادات أو أرباح، سيظل مطالباً قانوناً بسداد هذه المبالغ الإجارية أو الأقساط السنوية! مما يمثِّل خطراً جسيماً أيضاً على العميل خصوصاً عند مراعاة كونه شركةً ناشئة ليست تابعة لكيان آخر ملئ وإنما تموَّل ذاتياً ومن خلال دائرة صغيرة من المستثمرين الأفراد “الملائكيين – Angels Investors”. فكأن توجهي نحو تكييف فقهي يكون العقد فيه ملزماً للجهة مانحة الترخيص قد نحا بي باتجاهٍ إجباري يكون فيه عميلي ملزما أيضا بدفع مبالغ سنوية. أما عقد المشاركة في الجانب اللآخر، فإنه – وإن كان يعرض عليه خطر الفسخ بالإرادة المنفردة- فإن العميل فيه لن يكون ملزماً بدفع أية مبالغ إلا في حال تحققت الإيرادات (في حال النموذج القائم على الإيراد) أو تحققت أرباح (في حال النموذج القائم على الأرباح)، وبقدر النسبة المحددة سنوياً. وفي كل سنة من سنوات عقد المشاركة، ستحتسب الإيرادات أو الأرباح المحققة خلال تلك السنة، ويخصم منها النسبة المقررة لمانح الترخيص، ثم يشكل المبلغ المتحصل من ذلك مقابل الترخيص السنوي؛ فقد تكون هناك مبالغ سنوية – في حال عقد المشاركة- وقد لا تكون. وقد يكون المبلغ السنوي الذي يدفع مقابل الترخيص أعلى من المبلغ الإجاري أو القسط السنوي، وذلك في حال تحقيق الإكاديمية لإيرادات أو أرباح كبيرة. وقد يكون أقل من المبلغ الإجاري أو القسط السنوي في حال تحقيقها لإيرادات أو أرباح متواضعة.

آلية تقليص المخاطر: استقرَّ الرأي أخيراً على أن تتخذ اتفاقيةُ الترخيص التكييفَ الفقهي لعقد المشاركة، بحيث تمنح الجهة العميلَ الحقَّ في استغلال الحقوق المشمولة بالترخيص على أن تستحق نسبة محددة من الأرباح أو الإيرادات التي تنتج عن الاستغلال التجاري. ورغم أن القرار استقر على هذا، فإنه كان من المهم أن اقترح طريقةً لتحجيم خطر الفسخ الموصوف أعلاه وتخفيفه. وحتى أصل إلى آلية مناسبة؛ كان ضرورياً أن أدرك السبب وراء استعداد العميل لقبول التكييف الفقهي لعقد المشاركة – رغم أنه معرضٌ لخطر الفسخ- مقابل التكييفات الفقهية التي تلزم الطرفين شرعاً كالإجارة وعقد التقسيط. وكان السبب أن العميل كان قلقاً من تحّمل التزامات نقدية وديون واجبة لأنه ما زال في مرحلة مبكرة من المشروع وليس بمقدوره حالياً التنبؤ – بيقينٍ كافٍ- بمآلات المشروع في السنوات القادمة. فاستخلصتُ من ذلك أن العميل كلما تقدم خطوات أبعد في المشروع وقطع مراحل زمنية أعمق، سيكون في وضع أفضل لتقييم الخيارات التعاقدية ذات الطبيعة اللازمة مثل شراء الحقوق. ولذا فقد اقترحت أن نضِّمن اتفاقية الترخيص نصاً يتيح للعميل حق الشراء المستقبلي للحقوق محل الترخيص وفق سعرٍ يحدد مسبقاً في الاتفاقية، ويكون للعميل ممارسة هذا الحق في أي وقت أثناء سريان اتفاقية الترخيص. بالإضافة إلى ذلك، فقد اقترحت على العميل أن نضيف مبلغاً سنوياً رمزياً يدفع إلى الجهة كقيمة إجارية مقابل الحقوق، وذلك حتى نمنح العقد خصائص مستقاة من عقد الإجارة (تحديداً مدة الإجرة والإجرة والمنفعة) وندفع العقد نحو اللزوم. وبالتالي وبوجود حق الشراء المستقبلي والقيمة الإجارية السنوية “الرمزية”، استطعنا بحمد الله تقليص خطر الفسخ إلى درجة معقولة مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بمرونة المزايا المرتبطة باتفاقية ترخيص قائمةٍ على مفهوم عقد المشاركة.

الملكية الفكرية/ حق المؤلف/ المصنفات المشتقة
نظراً لأن القانون الحاكم على هذه الاتفاقية هو القانون السعودي، ولأن محل الترخيص هو مؤلف مكتوب، فإنه من الطبيعي أن يلعب نظام حماية حقوق المؤلف السعودي الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 85 بتاريخ 9 / 4 / 1424 (النظام)، دوراً رئيساً في تنظيم الاعتبارات القانونية الخاصة بالملكية الفكرية في هذه الاتفاقية. وقد عرض النظام نوعين رئيسين من المصنفات هما المصنفات الأصلية -كالمنهج المطبوع- والمصنفات المشتقة -كالمنهج الإلكتروني-.

ولم يكن لدي أدنى شكٍ أن المصنف الأصلي وهو المنهج سيبقى ملكاً للجهة في اتفاقية الترخيص هذه، وأن اتفاقية الترخيص ينبغي أن تشتمل على نصٍ يؤكد هذا الأمر. ولكن النظام قد اضطلع أيضاً بتنظيم الحقوق المتصلة بالأعمال ذات الطبيعة الاشتقاقية، وقد عرَّف النظام المصنف الاشتقاقي بأنه “كل مصنفٍ يوضع استنادًا إلى مصنف آخر سابق له”، وضرب النظامُ أمثلةً للمصنفات المشتقة في المادة الثالثة من النظام بحيث تشمل مصنفات الترجمة، والتلخيص، أو التعديل، أو “غير ذلك من أوجه التحوير”. ونظراً لأن العميل سيضطلع بأعمال خاصة لتحوير المنهج وتحويله إلى منهج الكتروني؛ فإن المنهج “الإلكتروني” – في قراءتي للنظام- سينتقل من كونه مصنفاً أصلياً إلى كونه مصنفاً اشتقاقياً. وبالتالي فقد حرصت على وضع نصٍ في الاتفاقية يوضح أن المصنف الأصلي سيبقى ملكاً للجهة. ثم وضعت بنداً آخر ينص على أن كافة حقوق الملكية الفكرية أدبية كانت أو مالية في المصنفات المشتقة تكون ملكاً للعميل.

وقد تثور إشكالية أن المنهج الإلكتروني إذا سلمنا أنه مصنف مشتقٌ، فإنه يتنازعه حقان فكريان مختلفان: أولهما حق ملكية المصنف الأصلي المملوك للجهة والذي استند عليه المصنف المشتق، وثانيهما حق ملكية المصنف المشتق المملوك للعميل والذي انبنى على المصنف الأصلي واشتق منه وتفرع عنه. ولكن النظام في المادة الثالثة قد بيّن أنه “لا تخل الحماية التي يتمتع بها أصحاب المصنفات [المشتقة] بالحماية التي يتمتع بها مؤلفو المصنفات الأصلية”. أي أن النظام قد أقرّ أن المصنف المشتق يتوارد عليه حقان مختلفان (وربما أكثر) دون أن يلغي أحدهما حق اللآخر. ومثال ذلك، الأفلام السينمائية التي تجسد روايات مطبوعة كأفلام الفتى الساحر هاري بوتر المستندة على ثمانية روايات للكاتبة البريطانية ج. ك. رولنغ، حيث أن الفلم السنمائي هو مصنف مشتق مملوك لمن قام بتمويله وإنتاجه بينما تبقى الروايات المطبوعة ملكا للكاتبة البريطانية ج. ك. رولنغ والتي تحصل على عوائد ملكية من استخدام رواياتها في تلك الإفلام السينمائية.

والأثر القانوني لتوارد حقَّين فكريين على الأقل على المصنف المشتق هو أن مالكَ المصنف الأصلي لا يستطيع التصرف في المصنف المشتق – إلا بإذن مالك المصنف المشتق- لأن المصنف المشتق ليس مملوكا لمالك المصنف الأصلي، وفي المقابل فإن مالك المصنف المشتق مرهونٌ استغلاله التجاري للمصنف المشتق باستمرار ترخيص وإذن مالك المصنف الأصلي.

مرجعيات الصياغة/ المراجع
مما تعلمته – أثناء الممارسة العملية- أن صائغ العقود لا ينبغي له أن يشرع رأساً في صياغة العقد الموكل إليه، حتى يسبق ذلك بتحضير مرجعياتٍ ترشد وتوجِّه وتنظٍّم عملية صياغة العقد. وهذه المرجعيات الصياغية قد تزيد وقد تنقص بحسب العقد، ولكنها في الغالب تشتمل على ما يلي:

  • الوثيقة المحتوية على تعليمات العميل واحتياجاته.
  • أوراق ملاحظات صائغ العقد والتي يسودها بعد مقابلته للعميل والتباحث معه بشأن العقد، وأثناء تحضيره للعناصر المهمة بعد ذلك.
  • والأنظمة والقوانين ذات العلاقة بالعقد أو المؤثرة عليه.
  • أخيراً وليس آخراً، نماذج العقود الشائعة في الصناعة المرتبطة.

وتكوِّن هذه المرجعيات بمجموعها الخريطةَ الذهنية عما ينبغي أن تكون عليها الاتفاقية – شكلاً ومحتوىً-. ولتفصيل هذه المرجعات، سأتطرق لها واحدة بعد الأخرى:

نماذج العقود السابقة: المرجعية الأولى من مرجعيات الصياغة هي العقود المعيارية أو النموذجية، ويقصد بها نماذج العقود الشائعة في أي صناعة. ومن أكثر الأمور أهميةً – في نظري- للتحضير لصياغة أي عقدٍ هو الاطلاع على نماذج عقود صِيغتْ لتحكمَ مواضيع مشابهة لموضوع العقد. وهذا الاطلاع على التجارب الصياغية السابقة، ينبه ذهن الصائغ إلى مسائل ربما كان في غفلةٍ عنها أو كان غير مدركٍ لأهمية التطرق إليها في العقد ومعالجتها.

ويفضل أن ننظر إلى أكثر من عقدٍ، وننعم النظر إلى بنودها إلى أن يتكون لدينا تصور واضح عن هيكلة العقد المطلوب وعن البنود الرئيسية وعن المصطلحات الفنية الخاصة بالصناعة. ثم بعد النظر والاطلاع على نماذج العقود السابقة، ينبغي أن ننتخب نموذجاً أو نموذجين ليشكلان مرجعيةً لنا عند صياغة العقد.

ونظراً لأن موضوع اتفاقية الترخيص الخاص بالعميل (شراء حقوق منهج تعليمي مطبوع لتحويله إلى منهج الكتروني) هو موضوع حديثٌ نسبياً؛ فلم أجد نماذج عقود خاصة بهذا الموضوع. ولهذا فقد بحثت عن المواضيع ذات الشبه بهذا الموضوع ” والشبه منجذبٌ إلى شبهه”. وقد رأيت أن من المواضيع المشابهة هو ما يتصل بشراء الحقوق الخاصة بالروايات والمؤلفات ذائعة الصيت لغرض انتاجها سينمائياً في استديوهات هوليود وغيرها ثم عرضها عبر صالات السينما وعبر القنوات الأخرى التلفزيونية والرقمية وتحصيل العوائد من هذا العرض. ولذا فقد اطلعت – عند تحضيري لصياغة اتفاقية الترخيص- على عددٍ لا بأس به من الاتفاقيات الدائرة حول شراء الحقوق للروايات لانتاجها سينمائياً، وجميع هذه الاتفاقيات ترتكز قانونياً على حقوق المؤلف.

البحث القانوني والفني: كذلك قرأت في عدد من المدونات عن طبيعة عمل هذه الاتفاقيات في الواقع وتجارب الناس معها وأفضل الممارسات للتفاعل معها والتعامل بها، وذلك حتى يتكون لدي تصور أعمق وأدق عن الطبيعة الواقعية لما تفرزه هذه الاتفاقيات من نتائج تجارية وقانونية وفنية. ومن المقالات التي استفدت منها عند تحضيري لصياغة اتفاقية الترخيص مقالة بعنوان: “How to Option a Book for Film Adaptation”. وهذا المقالات يكتبها متخصصون (ليسوا قانونين بالضرورة) ضليعون بالمسالك التجارية والفنية لهذه الأعمال والدور القانوني اللازم لتنظيمها وتوجيهها. وبالتالي فإن كتاباتهم قد تفطن ذهن الصائغ إلى أمور وخفايا مهمة، وتمنحه أيضا الفهم بالبعد التجاري والفني للاتفاقية التي هو بصدد صياغتها، الأمر الذي يعزز تواصلاً أفضل مع عميله حينما يكون الصائغ ملماً بالطبيعة التجارية والفنية للاتفاقية.

تعليمات العميل: تعد تعليمات العميل الحجر الأساس الذي ترتكز عليه عملية الصياغة. لأنه من خلال هذه التعليمات، يتمكن صائغ العقد من التعرف على احتياجات العميل، وعلى طبيعة المشروع أو العمل المعتزم صياغة الاتفاقية لأجله. وسيتعرف كذلك على أولويات العميل، وما هي مخاوفه، وما هي رؤيته لطبيعة العلاقة التعاقدية.

ملاحظات صائغ العقد: بعد تحليل صائغ العقد لتعليمات العميل، وبعد بحثه الأوليِّ في الموضوع، ستبرز لديه أسئلة يود إثارتها مع العميل والتباحث معه بشأنها. هذه الأسئلة قد تتناول – على سبيل المثال- ماذا يدخل في نطاق الاتفاقية وماذا يخرج عنها، وما هي التزامات العميل والطرف الآخر قِبلَ بعضهما. وقد تتضمن الملاحظات المخاطر القانونية التي ترتب على الاتفاقية عند صياغتها وفق متطلبات العميل، وما هي المعالجات المحتملة لتخفيف المخاطر أو دفعها كليةً. وربما تتضمن الملاحظات هيكلات محتملة للاتفاقية ومزايا وعيوب هذه الهيكلات وصولاً إلى تعيين الهيكلة المناسبة بما يحقق متطلبات العميل ويعزز المركز التعاقدي له ويخفف قدر الإمكان من المخاطر المحتملة.

الأنظمة ذات العلاقة: من الواجب على صائغ العقد الاطلاع على الأنظمة المرتبطة بالاتفاقية والمؤثرة تأثيراً مباشراً عليها لضمان ألا تتعارض الاتفاقية مع الأنظمة ذات العلاقة. بل إن إغفال هذا الأمر قد يعد خطأً مهنياً محسوباً على الصائغ. وذلك لأن هناك أنظمة تنص على أمورٍ لا يجوز لطرفي العلاقة التعاقدية الاتفاق على خلافها، فلو ضمَّن صائغ الاتفاقية بنداً متعارضاً مع أحد تلك الأمور؛ فإن هذا النص يكون باطلاً أو عرضةً للإبطال مما يوقع عميله في حرجٍ ويهدد مركزه التعاقدي. فعلى سبيل المثال، فإن نظام العمل قد نص على أمورٍ كثيرةٍ وذكر أنه لا يجوز الاتفاق على خلافها، كما قرر حقوقاً للعامل، وذكر أنه لا يجوز لصاحب العمل حرمانه تعاقدياً منها. ونص نظام العمل صراحةً في المادة الثامنة منه أنه “يبطل كل شرط يخالف أحكام هذا النظام.” وكذلك نص النظام على ضرورة أن يكون عقد العمل لغير السعودي مكتوباً ومحدد المدة في المادة السابعة والثلاثين، وأوجب كذلك – في المادة الحادية والخمسون- أن يعد عقد العمل من نسختين يحتفظ كل طرف بنسخةٍ منه. بل توغل النظام أكثر – في حوكمة عقد العمل- بإن عَهِد إلى الجهة التنفيذية بإعداد نموذج استرشاديٍ لعقد العمل يحتوي بصورة أساسية على : اسم صاحب العمل ومكانه، واسم العامل وجنسيته، وعنوان إقامته، والأجر المتفق عليه بما في ذلك المزايا والبدلات، ونوع العمل ومكانه، وتاريخ الالتحاق به، ومدته إن كان محدد المدة.

ثم أوجب النظام أن يكون عقد العمل – المبرم بين صاحب عمل وعامل في ظل النظام- وفق النموذج الإرشادي، ولكنه سمح لطرفي العقد أن يضيفا إليه بنوداً أخرى شريطة أن لا تتعارض مع أحكام هذا النظام ولائحته والقرارات الصادرة تنفيذاً له. وكمثالٍ آخر، فإن نظام التجارة الإلكترونية قد أوضح في المادة السابعة منه العناصر الواجب توافرها في العقد بين المتجر الإلكتروني وعميله.

وفي حالة اتفاقية الترخيص هذه، فقد اطلعت بصورة رئيسية على نظام حقوق المؤلف ولائحته التنفيذية.

الصياغة/ المسودة الأولية
بعد انتهائي من تحضير مرجعيات الصياغة، وتخمُّر البنود والمعالجات الرئيسية في ذهني، بريت قلمي وبدأت في صياغة الاتفاقية. وبعد ذلك انتهيت من الصياغة وأصبحت المسودة الأولية جاهزة. واتسمت عملية الصياغة بالسرعة النسبية ذلك لأن الشكل والمحتوى للمسودة اتضحا أثناء تحضير مرجعيات الصياغة في المرحلة السابقة. وبعد الانتهاء من المسودة الأولية، تركتها برهةً في جهازي، ثم عدت إليها في الصباح التالي لإعادة قراءتها بعينين جديدتين وتنقيحها وتقويم ما اعوجَّ منها. وبعد ذلك شاركتها مع عميلي طالباً منه مرئياته فيها، ثم بعدالموافقة عليها؛ أن يشاركها مع الجهة الأخرى تمهيداً لتوقيعها أو التفاوض بشأنها.

وفي الختام، فإن عملية صياغة العقد هي عملية مثيرة تبتدأ من العميل حين يعرض احتياجاته ومتطلباته، ثم تتضح ملامحها أكثر عند بحث صائغ العقد في موضوع العميل ودراسته لنماذج العقود الشائعة وللأنظمة ذات العلاقة، ثم تأمله في التحديات المحتملة والمعالجات لها والهياكل التعاقدية الملائمة، ثم تفاهمه مع العميل على المقترح المناسب والخريطة الذهنية لما ينبغي أن يكون عليه العقد. ثم تنتقل عملية الصياغة إلى المرحلة اللاحقة وهي تحضير مرجعيات الصياغة التي ترشد وتوجِّه وتنظٍّم عملية صياغة العقد، وهي في الغالب تشتمل على الوثيقة المحتوية على تعليمات العميل واحتياجاته، وعلى أوراق ملاحظات صائغ العقد، والأنظمة والقوانين ذات العلاقة، ونماذج العقود الشائعة في الصناعة المرتبطة. ثم أخيراً يكون بمقدور صائغ العقد إعداد المسودة الأولية للعقد ومشاركته مع العميل.

وصلى الله وسلم على النبي محمد.

02 ربيع الثاني 1441هـ، الموافق 29نوفمبر 2019 – آخرتحديث بتاريخ 18 شعبان 1441هـ ، الموافق 11 أبريل 2020