القاعدة الأولى: الإلزامية القانونية للاتفاقات الأولية
أوردَ نظامُ المعاملات المدنية العديد من المواد التي توضِّح بنحو مباشرٍ موقفَ المنظِّم السعودي حول أمور تعاقدية يكثر حولها النقاش، وهذه الأمور مرتبطة بالتعاملات التجارية في السياق المدني الحديث الذي تتداخل فيه الممارسات الدولية والممارسات المحلية المتأثرة بنظائرها الدولية. ومن هذه الأمور الحساسة التي حسمها جوهرياً نظام المعاملات المدنية، ما يتصل بـ الأثر القانوني لما يسمى بـ “مذكرة الشروط الأساسية” أو “Term Sheet”، وهي وثيقة يبرمها الأطراف عادة في الصفقات التي تتكون من عدد من العقود المرتبطة ببعضها لتحقيق أهداف الصفقة مثل صفقات التمويل والاستثمار والملكية الخاصة، وصفقات إنشاء مشاريع مشتركة “JV agreement”، وهي تهدف إلى توثيق البنود الرئيسية للصفقة ذات العلاقة واتفاق الأطراف حيالها، بحيث تعمل هذه الوثيقة على توفير إطار محدد لاحتواء المفاوضات والتفاهمات التفصيلية لإعداد الاتفاقيات النهائية المكونة للصفقة والاتفاق عليها. إذن مذكرة الشروط الأساسية هي مذكرة أولية تهدف إلى توثيق اتفاق الأطراف بشأن موضوع الصفقة وتمهِّد الطريق نحو المفاوضة والاتفاق على الاتفاقيات النهائية.
والأمر المهم الذي تختلف بشأنه الأنظمة القانونية، ويهمنا معرفته وفق النظام السعودي، هو ما إذا كانت مذكرة الشروط الأساسية ملزمةً لأطرافها أم لا؟
ولتوضيح محل الإشكال في سياق عملي، في حال أبرم الأطراف مذكرة الشروط الأساسية المتضمنة للأحكام الجوهرية المتعلقة بالصفقة، ثم عند شروعهم في المفاوضات التفصيلية بشأن الاتفاقيات النهائية، اتسعتْ هوَّة الخلاف بينهم حول عدد من البنود الفرعية ولم يمكنهم الاتفاق بشأنها بل وصلوا إلى طرق مسدودة حول عدد منها رغم جديَّتهم في المفاوضات، مما حدا بأحدهم إلى نبذ الصفقة والعدول عنها. فهل ينشأ حق قانوني للطرف الآخر المتشبِّث بالصفقة الحريص على إتمامها، أن يتمسك بحقيقة اتفاق الأطراف على البنود الجوهرية وفق مذكرة الشروط الأساسية، وأن يستند عليها قانونياً لمطالبة الطرف الممتنع عن المضي في الصفقة بإتمامها – رغم إخفاق الإطراف في الاتفاق على البنود الفرعية-؟
لنبحث عن الجواب للمسألة أعلاه في نص الفقرة الأولى من المادة الثانية والأربعين من النظام: ” إذا اتفق المتعاقدان على المسائل الجوهرية في العقد وعلى إرجاء الاتفاق على المسائل غير الجوهرية؛ كان ذلك كافيًا لاعتبار القبول مطابقًا للإيجاب، ولا يؤثر اختلافهما في المسائل غير الجوهرية في انعقاد العقد ما لم يكونا قد ربطا انعقاده بالاتفاق اللاحق على تلك المسائل“. أي أنه من حيث الأصل، يعتبر إبرام مذكرة الشروط الأساسية إبراماً للعقد لتلاقي الإيجاب والقبول بينهما على وجه الكفاية باعتبار أن الاتفاق على الكليٍّ مغنٍ عن الاتفاق على الجزئي، وأن الاختلاف في الفروع لا يترتب عليه بطلان الاتفاق على الأصول، وذلك وفق ضابطين أوردها النظام:
- أن تحتوي مذكرة الشروط الأساسية أو الاتفاق الأولي على اتفاق الأطراف بشأن المسائل الجوهرية في محل الصفقة (ويثور سؤال عن ضابط تحديد وحصر المسائل الجوهرية في التعاقدات والتي تختلف باختلاف الصفقة وحيثياتها)، فلو أغفلتْ المذكرة إيراد مسألة جوهرية (على سبيل المثال عدد الأسهم المشتراة في صفقة بيع وشراء أسهم في شركة ما)، لم يعتبر اتفاق الأطراف على مذكرة الشروط الأساسية كافياً لاعتبار الإيجاب مطابقاً للقبول على الوجه الذي ينعقد معه العقد.
- ألا تتضمن مذكرة الشروط الأساسية أو الاتفاق الأولي شرطاً أو نصاً يفيد بأن حجية المذكرة مشروطةٌ باتفاق الأطراف على كافة المسائل الفرعية بشأن الصفقة، أو أن هذه المذكرة خاضعةٌ لتوقيع الأطراف للاتفاقيات النهائية بموجبها.
وفي حال تخلَّف أحد الضابطين الواردين أعلاه عن مذكرة الشروط الأساسية أو الاتفاق الأولي انتفتْ حجيَّته القانونية فلا يحقُّ لأحد أطرافه التمسُّك به لمطالبة بقية الأطراف بإتمام الصفقة.
الفائدة العملية:
نظراً لأن نظام المعاملات المدنية أسَّسَ بشكل عام لحجية الاتفاق الأولي أو مذكرة الشروط الأساسية وأنها – في حال تضمنها للمسائل الجوهرية في محل الصفقة وخلوها من الشروط التي تربط حجيتها بتوقيع الاتفاقيات النهائية أو الاتفاق على المسائل الفرعية- تعتبر عقداً بين الأطراف له حجيته القانونية؛ فإنه من الحصافة والحكمة – كقاعدة عامة في التعاقدات- أن يضمِّن الأطراف في تلك الوثائق الأولية ما يفيد بأن حجيتها مشروطةٌ باتفاق الأطراف على كافة المسائل الفرعية بشأن الصفقة، أو أنها خاضعةٌ لتوقيع الأطراف للاتفاقيات النهائية بموجبها، حتى لا يقع أحد الأطراف في شرك مطالبة الطرف الآخر له باتمام الصفقة رغم عدم موافقته على الاتفاقيات النهائية.
