نحو أنسنة العلاقات التعاقدية – ظاهرة توحُّش العقود

مقدمة وسياق

أعلنت أمانة الرياض قبل مدة عن مشروع طموح لأنسنة مدينة الرياض – ضمن سياق أنسنة المدن- وذلك بجعل المدينة أكثر ملائمة للإنسان، وصديقةً له لا نداً له. وهذا المشروع يُعنى – ضمن ما يُعنى به- بأن تكون الطرقات في الرياض ليست مناسبة فقط للمركبات “الآلات”، بل ينبغي أن تكون مناسبة لمشي الناس وتنقلاتهم على أقدامهم وما يتصل بذلك من تشجير، وترصيف، وتخطيط.

وأعتقد أننا في المجال التعاقدي نحتاج إلى تبني مثل هذا التوجه في الأنسنة. وذلك بأن نسعى لجعل العلاقات التعاقدية والعقود أكثر ملائمة للإنسان العادي وأكثر تعبيراً عنه. لأن العقود في الوقت الحالي – خصوصاً تلك المستوحاة أو المترجمة من العالم الغربي- أصبحت قوالباً معقدة، جامدة، مُرْهِقة، مُثقلةً بأمور يُشكُّ في جدواها وفائدتها العملية. وأصبح الإنسان العادي بل حتى المتخصص، يجد حرجاً ونفوراً من التعامل معها.

رغم أن هذه العقود ينبغي أن تكون تعبيراً عن علاقة تعاقدية “إنسانية” مركبة، تجعل الإنسان (أطراف العلاقة التعاقدية تحديداً) في بؤرة الاهتمام؛ أصبحت في نهاية المطاف بعيدةً كل البعد عن التعبير عن العلاقة الإنسانية التعاقدية بكل تركيبيتها (مثل الثقة، والأمانة، وحسن النية، والسمعة)، واتجهت إلى التركيز على الموضوع الذي تراد تنظيمه، وإلى استحضار شخصيات أخرى من خارج العلاقة التعاقدية (مثل القاضي).

كلما كانت العقود أكثر إنسانية؛ كلما ساهمت أكثر في تعزيز القيم التي تسود في السياق التجاري كالثقة والسمعة وحسن النية.

وكلما اتجهنا أكثر نحو أنسنة العقود؛ كلما ازداد اعتماد أطراف العلاقة التعاقدية “الإنسانية” على وثيقة العقد كإطار عمل تفاهمي “ملزم” يساعدهم على حوكمة العمل المشترك أو إحداث التصرف القانوني المنشود. أما إذا تجمدت ممارساتنا التعاقدية على تلك العقود التي تفتقد البعد الإنساني، فإن العقد المتين “المحكم النصوص” لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاقة الإنسانية المركبة القائمة على الثقة والسمعة.

ظاهرة توحُّش العقود

تأثير الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات والمجتمعات لم يكن بسيطاً أو محدوداً، وإنما شمل جوانب كثيرة ومستويات عميقة يصعب رصدها وحصرها. ونحن – كمجتمعات عربية لنا تاريخنا وحضارتنا الضاربة في التاريخ- لم نسلم من هذا التأثير الشامل، فقد طَبَعت علينا هذه الحضارة بميسمها حتى أصبح التمييز بين الأصيل والدخيل صعباً. ولم يكن التأثير ثقافياً فحسب، بل هو التأثير العلمي والمعرفي والعملي والتجاري وغيره من التأثيرات. فالممارسة الطبية الحديثة على سبيل المثال، ومناهج تأهيل الطبيب واعتماده، والتخصصات الطبية الدقيقة، وطريقة عمل المستشفيات الخاصة التجارية، وضعف الاعتراف الرسمي بمنظومة الطب البديل، والزهد في العلاجات الشعبية المجربة، وارتفاع تكلفة العلاج الطبي المؤسسي، وعلاقتها بالتأمين الطبي واقتصاديات التأمين، واحتكاريات صناعة الأدوية والعلاجات – القائمة على منظومة براءات الاختراع، أو متطلبات الاعتماد الرسمي وتسجيل الأدوية-، وغيرها؛ هي أمثلة لتأثيرات الحضارة الغربية ونموذجها المادي الاقتصادي الذي يركز على الأبعاد الاقتصادية المادية أكثر من غيرها. وهذا التأثير قد شمل أيضاً المجالات القانونية بتفرعاتها المختلفة وعلى كافة المستويات سواء على مستوى التشريع وسنِّ الأنظمة -على سبيل المثال أنظمة السوق المالية-، أو على مستوى التأهيل العلمي ودراسة القانون – على سبيل المثال تقسيم القانون بحسب الموضوعات كالقانون البحري، والتجاري، والجنائي الخ-، أو على مستوى الممارسة القانونية وأعمال المحاماة -على سبيل المثال أنموذج العمل بالساعة “Billable Hours”-.

وهذا التأثير على المجال القانوني، لم يكن حصراً على شكل الممارسة، وإنما امتدَّ أيضا إلى موضوعها كذلك، حيث أصبح النموذج الغربي مرجعيةً بحد ذاته، فتكونت مجالات للممارسة لم تكن معهودة من قبل؛ مثل الأعمال القانونية المتصلة بالملكية الفكرية، أو الاستثمارات الجريئة والاستحواذات، أو عقود التأمين وسياسات/بوليصات التأمين، أو عقود التقنية والتراخيص ذات العلاقة بها، ومنظومة الامتياز التجاري، وحيث أن هذه المجالات قد نشأت في مهد الحضارة الغربية، فاقتباسنا (أو استيرادنا) لها لم يقتصر على النظرية، وإنما شمل التطبيق والأدوات وسياساتها التنظيمية، وكذلك العقود أو الأطر التعاقدية هي جزء رئيس من المجالات التي اقتبسناها.

أيضا من الأمور التي عمَّقت من هذا التأثير؛ معادلةِ الإنتاج/التصنيع والاستهلاك؛ حيث كان الإنتاج يتركز في دول معينة (الدول الصناعية)، وكانت هذه الدول تصدر هذه المنتجات والبضائع إلى أسواق الدول الأخرى التي تستهلك هذا الإنتاج (دول الاستهلاك)، وإن كانت دول الاستهلاك تصدر في المقابل المواد الأولية الخام الضرورية في الصناعات إلى الدول الصناعية. ومعادلة الإنتاج والاستهلاك لم تقتصر على البضائع والمنتجات المادية “الملموسة”، وإنما امتد نطاقها ليشمل الخدمات لوجستية كانت أو مالية واحترافية أيضا، وكذلك المهن وأوصافها والأفكار والنظريات الكامنة خلف الإنتاج، والأدوات التعاقدية والمنظومات القانونية التي تضمن سلامة انتقال السلع والبضائع إلى دول الاستهلاك وتحصيل أثمانها (مثل القانون البحري، ومنظومة التحكيم الدولي وإلزامية أحكام المحكمين وفق معاهدة نيويورك “اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك، 1958)”، وبوليصة الشحن، والتأمين البحري على البضائع، ثم الضمانات البنكية والاعتمادات المستندية التي من شأنها ضمان السداد وغيرها). وتجدر الإشارة إلى أن معادلة الإنتاج والاستهلاك تتغير بصورة مستمرة وتتداخل فيها عوامل عدة، حيث أن هناك دول عديدة تنتهج سياسات عامة وخطط وطنية طموحة لكسر طوق الاستهلاك، والمشاركة الفعالة في منظومة الإنتاج عالمياً، وذلك اعتماداً على مزايا نسبية جغرافية أو تاريخية ومراكز اقتصادية متينة وقيادات حكيمة جسورة لهذه الدول، مما يجعلها في حركة تدافعية إيجابية للدخول في منظومة الإنتاجية العالمية – مثل رؤية السعودية 2030 التي في جوهرها التحول الاقتصادي إلى الإنتاجية وتفعيل قطاعات اقتصادية منتجة، وتقليص الاعتماد على إيرادات المواد الخام مثل النفط-.

وهذا التأثر والاستيراد مدعوم أيضا بقطاع الخدمات القانونية الاحترافية، الذي يسير في طليعته مكاتب المحاماة الأجنبية “الدولية” التأثير و”غربية” المنشأ. وذلك لأنها تأسست في مبتدأ أمرها في الدول الغربية (مثل بريطانيا وأمريكا)، – وما زالت حتى الآن تدار منها-. وهي تصدر خدماتها القانونية إلى مختلف دول العالم، ولديها مكاتب تابعة في دول العالم تعمل وفق نظام أشبه بالامتياز التجاري “الفرنشايز” ولكنه مخصص للخدمات الاحترافية. هذه المكاتب الأجنبية، تعمل في أساسها وفق النماذج المعرفية السائدة في العالم الغربي، وذلك بناء على الأمور التالية:

  • المؤسسون، والملاك، والطبقة الأولى من الشركاء في هذه المكاتب الأجنبية هم غربيون.
  • المقرات الرئيسة لتلك المكاتب تقع في دول غربية (بريطانيا وأمريكا)، وبالتالي فإن منظومة القرارات فيها تتأثر بالنماذج المعرفية السائدة هناك.
  • تطوير وإدارة المعرفة المعيارية الخاصة بتلك المكاتب يكون في المقرات الرئيسة لها، ووفق الأنظمة القانونية التي تخضع لها (مثل الأنظمة الأنجلو-ساكسونية المطبقة في بريطانيا وأمريكا) والتي تدفع باتجاه إطالة العقود نظراً لتوجه القضاء فيها بصورة رئيسية إلى التطبيق الحرفي للعقود وفق بنودها، مع وجود صلاحية محدودة للقاضي في افتراض التزامات أخرى لم ينص عليها حرفياً في العقد وإن كانت من لوازم العقد، ولذا توجهت الممارسة القانونية إلى تنظيم العلاقة التعاقدية وكافة تفاصيلها واحتمالاتها في العقد)، ووفق النماذج المعرفية السائدة، ثم تصدر هذه المعرفة المعيارية إلى الأسواق الأخرى بعد تحويرها ظاهرياً حتى تتوائم “شكلياً” مع الخصوصيات القانونية للأسواق الأخرى.
  • الأسواق الرئيسة المستهدفة هي في الأساس أسواق غربية، أما الأسواق الأخرى فهي تبعية، بالتالي؛ فإن النماذج الأولية للمنتجات، وتصميم الخدمات يركز على احتياج وطبيعة ونموذج الأسواق الرئيسية (مثل ساندويش البرقر بلحم العجل/البقر)، أما الأسواق التبعية فهي تحصل إما على ذات المنتجات أو الخدمات في صورتها الأصلية أو في أحسن الأحوال على نسخة محوَّرةً شكلياً بحيث تتلائم مع الطبيعة المحلية للسوق التبعية (على سبيل المثال فإن التحوير على النموذج الأصلي لساندويش البرقر بلحم البقر ينتج لنا منتجات مثل ساندويش البرقر بلحم الحاشي/الجمل!).

إذن نحن متأثرون – إلى حد معتبر- بالنموذج الغربي في تعريفه للعلاقات التعاقدية وتنظيمه لها، ونحن مستهلكون ومستوردون للمنتجات والأدوات -غير الملموسة- التي أفرزها هذا النموذج، ومنها العقود النمطية المعيارية التي تستخدم في السياق التجاري. وإذا كنا متأثرين فعلاً بالنموذج الغربي؛ فما هي سمات النماذج الغربية السائدة التي شكلت المنهجية التعاقدية، وما أثر تلك المنهجية على العلاقات التعاقدية؟

نموذج “التعاقدية ” المفرطة

ويقصد به الإفراط في استخدام العقود، والزج بها في مجالات غير مسبوقة، ومحاولة إدخال العقود لتنظيم أمور إنسانية كانت في أساسها قائمة على “الثقة” و”الأعراف” الاجتماعية العامة أو الخاصة و”النظام العام” / “الشريعة الإسلامية” في المملكة. فـ”الثقة” و”الأعراف” استبدلتا بعقود تفصيلية تستند على قوة القانون وليس على متانة العلاقة الإنسانية. وهذا مثل علاقة الزواج، العلاقة الإنسانية العميقة المركبة؛ فقد ظهر إطار تعاقدي في أمريكا يسمى بـ عقد الزواج الشامل “Comprehensive Marriage Contract”، وهذا العقد -كما يدل اسمه عليه- يهدف إلى تنظيم تفاصيل الحياة الزوجية بدقة شديدة وتوضيح التزامات وحقوق ومسؤوليات كلا من الزوجين طيلة حياتهما الزوجية. أي أن هذا الإطار التعاقدي يريد استبدال الصرامة العقدية، والقوة القانونية، والإلزام العقدي بالتفاهم والثقة وعفوية العلاقة الإنسانية بين الزوجين. ولعل عرض بعض البنود والشؤون التي حاول عقد الزواج الشامل تنظيمها يكفي في رسم تصور عنه وعن نموذج التعاقدية المفرطة في إحدى تجلياته:

والدا الزوجة: للزوجة أن تسافر لزيارة والديها في مدينة [تحدد اسم المدينة] مرة واحدة في السنة، وتخصم تكاليف هذه الرحلة من الحساب المشترك للزوجين.
التغطية التأمينية الصحية وتأمين الأسنان: على الزوج أن يقدم إلى زوجته وإلى الأبناء والبنات من العلاقة الزوجية؛ تغطيةً تأمينية تشمل الصحة والأسنان، وعليه أن يحافظ على سريان التغطية التأمينية، وذلك طالما:

  • كان الطرفان يعيشان معا في منزلٍ واحد؛
  • كانت التغطية التأمينية متوافرة من رب عمل الزوج نتيجة العلاقة الوظيفية؛
  • كان الزوجة والأبناء مؤهلين للحصول على التغطية التأمينية وفق أحكام بوليصة التأمين.

التعليم الجامعي للأبناء: يؤكد طرفا العلاقة الزوجية [أي الزوج والزوجة] نيتهما على تشجيع أي من أبنائهما على الحصول على التعليم الجامعي، وسيكونان مسؤولين على حدٍ سواء بتكاليف التعليم الجامعي، وذلك طالما كان الابن أو الابنة ملتزمين بحضور الدراسة بانتظام في الجامعة أو المعهد، وطالما كان المنهج الدراسي موافقاً عليه من كلا الأبوين، وكان الابن أو الابنة يحصلان على درجة مقبولة (غير راسبين).

أيضا اتفاقيات الشركاء، والتي تهدف إلى تنظيم علاقات الشركاء فيما بينهم أثناء اشتراكهم في امتلاك كيان مؤسسي. فهي كذلك تطرقت إلى أمورٍ عميقة كان الأجدر تركها للعلاقة الإنسانية ومبادئ الشركاء وقيمهم. وكذلك اتفاقيات اتحاد الملاك، والتي تهدف لإدارة علاقة “الجيرة”بين الجيران الذي يشتركون في سكنى عمارة سكنية.

وكذلك من خصائص النموذج التعاقدي، الإفراط في الوظيفة التنظيمية للعقد. وللعقد عدة وظائف رئيسية، منها توثيق الحقوق والشروط، وتوزيع المخاطر ومسؤولياتها على الطرفين، وكذلك تنظيم العلاقة التعاقدية بين الأطراف وذلك بوضع آليات وأحكام للتعامل في الظروف المختلفة التي قد تمر بها العلاقة التعاقدية مستقبلا. والإشكالية في الوظيفة التنظيمية أنها يمكن أن تدفع بالصياغة العقدية إلى تكون مسهبة طويلة تفصيلية تستهدف الإلمام والمعالجة الاستباقية لكافة أو أغلب الاحتمالات المتصور حدوثها ضمن العلاقة التعاقدية. رغم أن كثيراً من الظروف يمكن للطرفين – بشئ من التفاهم والرغبة في استمرار العلاقة التعاقدية بنجاح – تجاوزها عند حدوثها، إلا أن الإفراط أو المبالغة في الوظيفة التنظيمية يجعل منها لا ترغب أن تكل شيئا إلى تفاهمية الطرفين وإلى عفوية العلاقة الإنسانية التي هي الجوهر الكامن خلاف العلاقة التعاقدية، وإنما تقصد إلى معالجة هذه الظروف قبل وقوعها، والتعامل مع الاحتمالات التي قد تطرأ على العلاقة التعاقدية بغض النظر عن مدى احتماليتها، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إثقال الإطار التعاقدي بكثير من التفاصيل غير المجدية إلا عند أحوال ظرفية نادرة الحدوث، ومما يرهق الإنسان الذي يريد إبرام العلاقة التعاقدية بالتفاوض حول تفاصيل تعاقدية تجريدية أفرزتها الوظيفة التنظيمية وليست متصورة في عقله وليست موجودة في واقعه.

نموذج “العلمية المادية”

ويقصد به محاولة تطبيق القواعد المنهجية الخاصة بالتعامل مع العلوم الطبيعية مثل علم الفلك والفيزياء والكيمياء، على مجال العلوم الإنسانية وتطبيقاتها المختلفة مثل إبرام العلاقات التعاقدية وصياغة العقود المعيارية. والإشكالية في هذا التطبيق هو اختلاف موضوع العلوم الطبيعية عن موضوع العلوم الإنسانية مما يجعل تطبيق منهجية واحدة أو مجموعة قواعد واحدة على الموضوعين من قبيل الخلط الذي يؤدي إلى تدهور أو تحوُّر أحد الموضوعين (وهو الموضوع الذي لم تكن المنهجية ملائمة له أو مصممة له من الأساس). وحيث أن موضوع العلوم الطبيعية في أساسه هو الظواهر الطبيعية في جانبها المادي المدرك بالحس، بينما موضوع العلوم الإنسانية هو الظواهر الإنسانية في جوانبها المادية والمعنوية سواء كانت مدركة بالحس أم لم تكن، فإن تطبيق النموذج العلمي المادي على الظاهرة الإنسانية أي العلاقات التعاقدية؛ قد أدَّى إلى النتائج التالية:

طلب “اليقينية” العلمية، وهذه من السمات في العقود النمطية المعيارية الغربية التي تستخدم في السياق التجاري، حيث أن هذه السمة تتبدى في المحاولات الدؤوبة لفرز الاحتمالات أو السيناريوهات الممكنة التي قد تمر بها العلاقة التعاقدية، ثم ترتيب الأحكام العقدية على وجه محددٍ في كلٍ من هذه الاحتمالات، وذلك إمعاناً في طلب اليقينية في العلاقة التعاقدية حتى يكون أطراف العقد على وضوح بأوجه الاحتمالات وبأحكامها العقدية، وتجنباً من وقوع أطراف العقد في حالةٍ معينةٍ لم يعمل العقد على تنظيمها. ونظراً لكون الاحتمالات في العلاقات التعاقدية تستعصى على الحصر، ونظراً لأن “اليقينية” في النموذج العملي المادي تستقصي دون كلل هذه الاحتمالات وترصدها بصورة مستمرة، فإن الأطر التعاقدية أصبحت تتضخم عاماً بعد عامٍ -نتيجة للتطور الناشئ عن الاستخدام المستمر على مدار سنوات وعقود لهذه الأطر التعاقدية- وذلك أخذاً بالاعتبار الأحكام القضائية وسياقات الخصومات التي قد تحصل لإحدى العلاقات التعاقدية النادرة من بين عشرات العلاقات الناجحة.

– وأيضا من سمات النموذج العلمي المادي هي تقليص مساحة المجهول وذلك بالإحاطة بجوانب المعلوم وتوسيعه قدر الإمكان. أما كيف تتسنى الإحاطة بجوانب المعلوم، فهذه عملية تراكمية تقوم على الرصد الدقيق والمتابعة المستمرة لنتائج الممارسات التعاقدية خصوصاً تلك التي تصل إلى المحاكم وهيئات التحكيم. ومن ثم تقييم هذه النتائج واقتراح تعديلات أو تحسينات أو إضافات على الإطار التعاقدي ذي العلاقة بحيث تتحقق الإحاطة بجوانب المعلوم، وتتقلص مساحة المجهول، وتتعزز اليقينية مقابل العفوية، علماً أن التوسع في هذا الأمر يؤدي إلى ترهل الأطر التعاقدية وطولها وضخامتها. على سبيل المثال، سأتناول اتفاقية نمطية معيارية (مبنية على القانون الإنجليزي وهو أحد أشهر قانون يتفق عليه أطراف العلاقات التعاقدية في الاتفاقيات الدولية العابرة للحدود) تتعلق بتوريد منتجات، وسأذكر بعض الأمثلة للاحتمالات الواردة فعلياً فيها:

  • ماذا لو أراد أحد الطرفين تعديل أي حكم تعاقدي واردٍ في هذه الاتفاقية؟ هل يكون له حق التعديل بمفرده دون الرجوع لطرف الاتفاقية الآخر؟ يجب عليه الحصول على موافقة الطرف الآخر على هذا التعديل حتى يكون التعديل نافذاً.
  • ماذا لو أراد أحد الطرفين تغيير عنوانه المذكور في الاتفاقية؟ يجب عليه في هذه الحال إشعار الطرف الآخر بهذا التغيير في العنوان.
  • هل المفاهمات الشفهية أو المكتوبة السابقة لتوقيع هذه الاتفاقية تمثل جزءاً من الاتفاقية أو يمكن الاستعانة بها لتفسير الاتفاقية؟ ليس ممكنا، لأن الاتفاقية الرئيسية تلغي ما سبقها من مفاهمات في موضوعها.
  • لو أراد أحد الطرفين التنازل عن الاتفاقية لطرف آخر أو التنازل عن بعض حقوقه المقررة فيها؟ يجوز للمورد فقط ولا يجوز للعميل.
  • هل تعد الاتفاقية شراكة بين الطرفين؟ لا تعد كذلك، وإنما يظلُّ المورد مقاولاً مستقلاً.
  • هل تعد عدم ممارسة أحد الطرفين لأحد حقوقه التعاقدية الواردة في الاتفاقية تنازلاً منه عن هذا الحق التعاقدي؟ لا يعد كذلك.
  • ماذا لو قرر حكم قضائي أو نص تشريعي بطلان أي نص من نصوص هذه الاتفاقية؟ هل يؤثر هذا البطلان على أحكام الاتفاقية الأخرى؟ يجب ألا يؤثر، وأن يحصر نطاق البطلان على النص أو النصوص التعاقدية المتأثرة مباشرةً وليس على النصوص الأخرى.
  • الاتفاقية قد صيغت وأعدت باللغة الإنجليزية فقط (أي ليس هناك لغة أخرى)، ماذا عن المراسلات والإشعارات بين الطرفين، هل يجب أن تكون باللغة الإنجليزية أيضاً؟ نعم.

هذه الأمثلة أعلاه سائدة في العقود النمطية المعيارية المستوردة من الممارسة الغربية. وهذا يفسِّر كيف أصبحت العقود مفرطةً في الطول، موغلةً في التفصيل نظراً لقصدها استيعاب العديد من الاحتمالات وإن لم تكن مرتبطة بالغرض الرئيس من التعاقد.

ولسرد الآثار الرئيسية من استخدام العقود النمطية المعيارية المستمدة أو المستوردة من الممارسات الغربية وتأثيرها على العلاقات التعاقدية؛ أذكر ما يلي:

1- الإفراط في استخدام العقود، والزج بها في مجالات غير مسبوقة، ومحاولة إدخال العقود لتنظيم أمور إنسانية كانت في أساسها قائمة على “الثقة” و”الأعراف” الاجتماعية العامة أو الخاصة و”النظام العام” / “الشريعة الإسلامية” في المملكة.
2- طلب اليقينية من خلال المحاولات الدؤوبة لفرز الاحتمالات أو السيناريوهات الممكنة التي قد تمر بها العلاقة التعاقدية، ثم ترتيب الأحكام العقدية على وجه محددٍ في كلٍ من هذه الاحتمالات، وذلك طلباً لليقينية حتى يكون أطراف العقد على وضوح بأوجه الاحتمالات وبأحكامها العقدية، وتجنباً من وقوع أطراف العقد في حالة ما لم يعمل العقد على تنظيمها.
3- محاولة فرض أطر تعاقدية صلبة مغلقة – مستندة على قوة القانون وليس على متانة العلاقة الإنسانية- لضبط العلاقات الإنسانية المركبة.
4- فرض عدد كبير من الاحتمالات، وآليات التعامل معها، والأحكام العقدية بشأنها، على أطراف العلاقة التعاقدية واضطرارهم للدخول في جولات مضنية من التفاوض لاستعادة التوازن التعاقدي.
5- الطول المفرط للعقود، والإغراق في التفاصيل، وغموض بعض الأحكام العقدية نظراً لاستمدادها من ممارسات خارجية غير محلية، ونظراً لكون بعض الأحكام العقدية قد اسْتُدْعِيتْ نتيجة ملابسات تاريخية للممارسة وأحكام قضائية قديمة قد لا يكون أطراف العقد ولا حتى القانونيون الممارسون على اطلاعٍ بحيثياتها.
6- تراجع (بل تدهور؟) البعد الإنساني – في العلاقات التعاقدية- القائم على الثقة والتفاهم والحوار والحرص على السمعة الحسنة، وسيادة البعد العلمي المادي الذي يسعى حثيثاً لتقرير إجابة لكل سؤال وإن كان ضمنياً، ونتيجة لكل سبب وإن كان محتملاً، وآلية للتعامل مع أية حالة وإن كانت مفترضة، وأيضا تقليص الأحوال التي قد “يضطر” فيها أطراف العقد لعيش “إنسانيتهم” والتفاهم حول الظروف الاستثنائية التي قد تطرأ على العلاقة التعاقدية.

وللتوضيح، فإن العقود النمطية المعيارية المستمدة من الممارسة الغربية، كما أنها أثرت في – وجهة نظري- سلباً على متانة العلاقة الإنسانية (البعد الإنساني مطلوبٌ حتى بين المنظمات والشركات، لأن الشركات في واقع الأمر لا تتعاقد بنفسها وإنما من خلال أشخاص يمثلونها في تعاملاتها)، فإنها أضافت عدداً لا يستهان به من الإيجابيات للممارسة التعاقدية من خلال عدة أمور مثل رسمها إطاراً محكماً يلم بجوانب العلاقة التعاقدية، ومثل رصدها لأهم المخاطر في علاقة تعاقدية معينة مثل علاقة الامتياز التجاري (وبذلك يكون الأطراف على علم وتحوط بالمخاطر العقدية وآليات توزيعها بينهم)، ومثل ولعها بتوثيق التفاصيل والالتزامات بدقة شديدة؛ ومثل المعيارية في صياغة الأحكام التعاقدية والتي ينتج عنها استقرارٌ في المعاني المتوخاة من الحكم التعاقدي وقدرةً على استقراء القرارات القضائية المتصلة بالحكم التعاقدي.

والمقصود من هذا المقال هو رصد الآثار العامة على الممارسات التعاقدية (تحديداً تلك المتصلة بتهميش البعد الإنساني)، ثم الدعوة إلى استعادة التوازن من خلال استدعاء البعد الإنساني في الممارسات التعاقدية من جديد؛ لأنه كلما كانت العقود أكثر إنسانية؛ كلما ساهمت أكثر في تعزيز القيم والمثُل التي لها أهميتها في السياق التجاري كالثقة والسمعة وحسن النية. فالتوازن الذي أدعو إليه، لا يستهدف إلغاء العقود النمطية المعيارية المستقاة من الممارسة الغربية؛ وإنما يدعو إلى تطويرها وتحديثها وتحويرها عن طريق التوجه نحو أنسنة العقود واستدعاء البعد الإنساني، وذلك التوجه يحصل من خلال عدد من الممارسات العملية -سأقترح بعضها لاحقاً- التي يتجسد من خلالها البعد الإنساني. ويبقى المجال الاجتهادي مفتوحاً للمتخصصين باقتراح وتبني الممارسات العملية – في صياغة العقود وتنظيم العلاقات التعاقدية وإبرام الصفقات- التي من شأنها إعادة التوازن للعلاقة التعاقدية لصالح الإنسان؛ فإن العقد المتين المحكم النصوص لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاقة الإنسانية المركبة القائمة على الثقة والسمعة.

مقترحات عملية لأنسنة العلاقات التعاقدية

أ‌- ناحية الشكل والبناء.

  1. خصيص البنود الجوهرية في العقد بلونٍ مميزٍ، أو بحجم خطٍ أكبر من غيره، حتى يسهل تمييز البنود الجوهرية عن غيرها من البنود عند قراءة وثيقة العقد ومراجعتها.
  2. استخدام خط واضح في كتابة البنود، مريح لعين القارئ، مع مراعاة تقليل حجم الوثيقة ما أمكن.
  3. وضع عناوين واضحة للأحكام التعاقدية، حتى تسهل على القارئ العثور على الأحكام التعاقدية ذات العلاقة.د

ب‌- ناحية المضمون والصياغة.

  1. تَجَنُّب اللغة الافتراسية، الشرسة، التي كأنها تنذر الطرف الآخر وتأمره وتتعالى عليه (مثال: “يجب على الطرف الثاني -فور إشعار الطرف الأول له- أن يزود الطرف الأول بكافة المستندات المطلوبة دون إبطاء ولا تأخير، وعليه أن يتبع تعليمات الطرف الأول في ذلك، علماً أن الطرف الثاني سيتحمل كافة المسؤوليات والغرامات التي قد ترتب على تأخره في الاستجابة إلى إشعار الطرف الأول، أو عند عدم التزامه بتعليمات الطرف الأول
  2. تجنُّب اللغة الانفعالية، المندفعة التي كأنها -بدلاً من إرساء وتقرير حكم تعاقدي- تظهر فوقية طرفٍ على طرفٍ. (مثال: “يقر الطرف الثاني ويسلِّم بأن الطرف الأول هو المالك الوحيد والحصري لحقوق الملكية الفكرية الخاصة بالطرف الأول، وأن للطرف الأول الحق في الاستغلال التجاري لهذه الحقوق، ويقر الطرف الثاني كذلك أنه من المحظور عليه – في كافة الأحوال وتحت أية ظرف أو ذريعة- أن ينازع أو يعترض أو يخاصم في ملكية الطرف الأول لحقوق الملكية الفكرية، ويقر كذلك أن أي تصرفٍ يقوم به في هذا الإطار يعد باطلاً ولاغياً ولا أثر له…
  3. تجنَّب النصوص التعنتية الإذعانية المتصلبة التي تكرِّس مصلحة طرف واحد فقط في العلاقة التعاقدية. مثال: “يحق للطرف الأول إنهاء العقد بإرادته المنفردة ودون إبداء أي سبب، ودون أن يتحمل أي عواقب مالية.. ويحق للطرف الأول أن يأمر الطرف الثاني بتسليم البضائع إلى أي مكان يقرره الطرف الأول ووفق الجدول الزمني الذي يحدده الطرف الأول، علماً أن للطرف الأول تعديل الجدول الزمني في أي وقت وعلى الطرف الثاني الالتزام بذلك.. ويتحمل الطرف الثاني غرامة تأخير عن كل يوم تعادل 1% من قيمة العقد الإجمالية -وذلك بالإضافة إلى أي حقوق أخرى قد تتقرر للطرف الأول بموجب العقد أو بموجب حكم قضائي-..
  4. احرص على جمع الأحكام العقدية ذات العلاقة في موضع واحد، وتجنَّب تشعيثها في مواضع عدة من العقد. مثلاً كافة الأحكام المتعلقة بالإنهاء، تجمع في قسم واحد من الوثيقة العقدية.
  5. احرص على التدرج في ترتيب أحكام العقد وفق التسلسل المنطقي لأحداث العلاقة التعاقدية بحسب العرف والعادة.

ج- ناحية التطبيق والممارسة.

  1. عند نشوب مقدمات خلاف بين أطراف العلاقة التعاقدية، أو عند حصول أحداث جوهرية تستدعي الحوار بين الطرفين ومعالجة هذه الأحداث؛ فاحذر من التمسك بحرفية العقد، بل حافظ على روح العقد، وشجِّع أطراف العقد على الوصول إلى تفاهمات وتسويات التي من شأنها المحافظة على العلاقة بين الطرفين ودعم استمراريتها، مع تحقيق الغرض من العلاقة التعاقدية الذي أٌبرم العقدُ من أجله. قال تعالى: “والصُلحُ خيرٌ“.
  2. تجنَّب أن تقود عميلك إلى تحقيق انتصار “عقدي” محدود على الطرف الآخر في العلاقة التعاقدية، ولكن على حساب تفكُّك هذه العلاقة التعاقدية واندثارها نظراً لخلخلة عامل الثقة الذي كان الرابط الرئيس بين أطراف العلاقة التعاقدية.
  3. ابحث عن الخيارات التي تحقق مصلحة عميلك – قدر الإمكان-، وتحافظ في نفس الوقت على ديمومة العلاقة التعاقدية مع الطرف الآخر، ولا بأس من قليلٍ من التنازل من كلا الطرفين إذا كان لهدف ديمومة العلاقة واستمرارها أو لهدف المحافظة على الثقة بين الطرفين. وتجنّب المواقف الحدِّية التي يكون فيها أحد أطراف العلاقة رابحٌ والطرف الآخر خاسرٌ، بل ابتكر المواقف التي يكون فيها الأطراف رابحون أو غير خاسرين على أقل تقدير “Win-win situations”.
  4. في حال حصول أحداث طارئة على العلاقة التعاقدية (مثل الظروف المتصلة بـكورونا)، والتي من شأنها أن تجعل الميزان التعاقدي تميلُ إحدى كفَّتيه إلى طرف من الأطراف على حساب الطرف الآخر، كن شجاعاً – وإن كان الميزان التعاقدي قد مالت كفَّته لصالح عميلك- على تبني التعديلات على الإطار التعاقدي التي يكون من شأنها استعادة التوازن التعاقدي إلى حالته الأساسية؛ لأن استعادة التوازن أدعى لتعزيز الثقة بين الطرفين، وتكريس مبدأ حسن النية، وترسيخ مبدأ المصلحة المشتركة، تلك القيم الإنسانية النبيلة التي من شأنها أن تعزز ديمومة العلاقة التعاقدية “الإنسانية”.

أخيراً أنسنة العقود تكون باستحضار شخصيات العقد كأناس لهم كياناتهم المعنوية، ولهم نوايا مشتركة في الأساس في إنجاح العلاقات التعاقدية، ولهم سمعتهم وصورتهم التي يرغبون في الحفاظ عليها في مجتمعهم (مفهوم “السمعة” من الأدوات التي يستخدمها المجتمع لتقرير مدى الموثوقية التي يستحقها شخص ما في هذا المجتمع؛ فصاحب السمعة الحسنة هو المجرب في العلاقات التعاقدية وثبت وفاؤه بالعقود، وصاحب السمعة السيئة هو من عرف بمماطلته وإخلاله بالتزاماته). والتوجه نحو أنسنة العقود يتحقق عندما يعتمد أطراف العلاقة التعاقدية “الإنسانية” على وثيقة العقد كإطار عمل تفاهمي “ملزم قانوناً” يساعدهم على حوكمة العمل المشترك أو إحداث التصرف القانوني المنشود. أما في حال الحاجة إلى ضمان الالتزامات التعاقدية والديون وغيرها، فهناك أدوات قانونية أخرى لتوثقة الحقوق -غير العقد- مثل الرهن، والاعتماد المستندي، والسند لأمر، والضمان البنكي، ومثل تصميم جدول الدفعات بحيث يتناسب مع سير الأعمال المنجزة. وهذه الأدوات القانونية التي توثق بها الحقوق، أكثر نجاعةً وفاعليةً من مجرد عقدٍ وحشي اللغة، إذعاني الأحكام، مغرقٍ في التفاصيل، مثقلٍ بالاحتمالات والافتراضات.

إن التوجه نحو أنسنة العلاقات التعاقدية لا يقصد به إلغاء الأدوات القانونية التي توثق بها الحقوق، وإنما القصد منه أن توضع وثيقة العقد في مكانها المناسب وبالوزن المناسب في العلاقة التعاقدية الإنسانية، ووفق اعتبارات النظام القانوني والولاية القضائية التي تخضع لها، وأن تصاغ وثيقة العقد بلغة معتدلة وأسلوب متزنٍ يعكسان البعد الإنساني، وأن تقتصر على الأحكام العقدية التي تتناسب مع إنسانية أطرافها، أي التي لا تلغي أو تهمِّش المبادئ والقيم الاجتماعية، فالعقد المتين “المحكم النصوص” لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاقة الإنسانية المركبة القائمة على الثقة والسمعة.

والله الموفق
أحمد بن منصور التميمي

11 ربيع الأول 1443 الموافق 17 نوفمبر2021