التحول التكنولوجي الذي يمر به العالم يشكِّل منعطفاً حضارياً تُختبر فيه قيمة الإنسان وتعاد صياغتها من جديد، ليس في سوق العمل فحسب، بل كمسؤولٍ أخلاقيٍ عن أمانة الاستخلاف في الأرض.. المهن تتشكل من جديد، فبينما هي الآن تستمد مركزيتها من كونها أسبابا لتحصيل الرزق الذي به قوام معيشة الإنسان، ربما تتحول مستقبلاً إلى كونها مجالات حيوية إنسانية لتكثيف المعنى وتجسيد رمزية الحضور الإنساني دون أن ترتبط ارتباطاً ضرورياً بتحصيل الرزق وقوام العيش. ففي الوقت الذي بات فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج المخرجات المعرفية بسرعة فائقة، انتقل مركز الثقل من اقتصاد المعرفة، حيث القيمة لمن يملك المعلومة، إلى اقتصاد الحكمة، حيث القيمة لمن يملك المعنى، ويُحسن التقدير، ويصنع الأثر.
وفي تقديري، فإن هذا المنعطف لا بدَّ من التهيؤ له بما يمكّن الإنسان – أو المجتمع الإنساني- من التعايش معه، بل والتأثير فيه، وإن كان يصعب السيطرة عليه بالكامل. ويجب أن نتجنب الخضوع له والانقياد إليه على نحو كامل. وهذا التهيؤ الذي اقترحه ليس موقفًا عابرًا أو فردياً، إنما هو منهج، وللمنهج معالم وملامح، تزداد وضوحاً وتحدداً بقدر السائرين على منهاجه. وسأستعرض فيما يلي ملامح هذا المنهج المقترح للمهني القانوني، وللجيل الشاب الذي يوشك أن يلتحق بالعمل ثم يقود مستقبله.
أولًا: الهجرة من صومعة النص إلى منطقة التفاعل
الرسالة الموجهة للمهني القانوني اليوم واضحة: بينما كان يكفي سابقا أن تكون منتجا للنصوص القانونية ومولدا للآراء الاستشارية، أصبح مهما أن توسع دائرة اختصاصك بأن تكون مهندساً للتفاعلات الإنسانية التي تتولد منها التصرفات الإنسانية الملزمة. ركِّز على تلك المرحلة التي ينتقل فيها الفاعل الإنساني من عفوية الفعل إلى صرامة التصرف القانوني.. فالإنسان في تلك المرحلة لا تقتصر حاجته على الوثيقة القانونية وإنما هو محتاجٌ بشكلٍّ ملحٍّ إلى الخبير الذي يحسن تصميم السياق وإدارة التفاعل الإنساني بما يسمح بتشكل الاتفاق الملزم على نحوٍ تنسجم فيه إرادات الأطراف وتتكامل مآربهم. إنَّ القيمة الحقيقية في المهنة القانونية أصبحت تنتقل تدريجيا من المُخْرَجِ القانوني ذاته، إلى مركزها الجديد وهي منطقة التدافع بين هذا المخرج وبين الفاعل الإنساني، وبين النص والواقع، وبين النظام والمصلحة.
إنَّ القيمة الحقيقية في المهنة القانونية أصبحت تنتقل تدريجيا من المُخْرَج القانوني ذاته، إلى مركزها الجديد، وهي منطقة التدافع بين هذا المخرج وبين الفاعل الإنساني، وبين النص والواقع، وبين النظام والمصلحة.
ففي الإقناع والتفاوض، القانوني الناجح هو من يحِّول المادة النصية الجامدة إلى أداةٍ لتقريب وجهات النظر، وبناء مساحات اتفاق، وإدارة الاختلاف بوعي.
وفي صناعة القرار، قد يمنحك الذكاء الاصطناعي احتمالات متعددة، لكن القانوني الحكيم هو من يمنح صاحب القرار الثقة اللازمة لاتخاذ الخطوة الصحيحة في الوقت المناسب وفي الاتجاه السليم.
ثانيًا: الانتقال من “ماذا” إلى “لماذا” — البحث عن المغزى
في اقتصاد الحكمة، لا يكون المُخْرَج القانوني غايةً في ذاته، بل وسيلةٌ. فالتركيز يجب أن ينصب على المغزى: لماذا نكتب هذا العقد؟ ولماذا نعتمد هذا الإطار التعاقدي؟ وما أثر ذلك على استدامة الأعمال والعلاقات والالتزامات؟
الآلة تستطيع أن تحسب الاحتمالات، وأن تعرض البدائل، وأن تستنتج الأنماط. لكن الإنسان وحده هو القادر على قراءة السياق الحي، وفهم اللحظة، والتقاط البعد الإنساني والأخلاقي الكامن وراء الوقائع.
الحكمة هنا هي القدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو مناسب، وبين ما هو صحيح شكلًا وما هو سليم أثرًا. وهي كذلك في فهم روح القانون، لا الاكتفاء بحروفه، وفي استيعاب التجربة الحية التي لا يمكن اختزالها في بيانات أو مصفوفات.
ثالثًا: الانفتاح على التخصصات الأخرى
القانوني الذي لا يعرف إلا القانون، يظلُّ محدود الأثر في هذا العصر. أما التميُّز الحقيقي، فيقوم على الانفتاح على التخصصات المتاخمة، لأن القضايا الكبرى لم تعد قانونيةً خالصةً، بل باتت تتشكل عند تقاطعات العلوم بعضها ببعضٍ، كتقاطع القانون بالإدارة، والاقتصاد، والتقنية، والأخلاق، والسلوك الإنساني.
ليس المطلوب فقط معرفة ما يصلُح وما لا يصلحُ، بل المطلوب هو القدرة على موازنة المصالح بعدالة، وفهم ما ينبغي أن يكون، لا ما هو قائم فقط. إذا كان الفقه – في أدق حالاته- معرفةَ خير الخيرين وشرَّ الشرَّين، فكذلك الصنعة القانونية من أهم مطالبها الوزنُ بالقسطاس المستقيم لتحقيق المصلحة العادلة للأطراف قدر الإمكان.
في عالمٍ يزداد رقميةً وبرودةً، تتعاظم قيمة من يستطيع الحفاظ على النسيج البشري. وهنا يكون القانوني وسيطًا حكيمًا، وصانع ثقة، وحافظًا للتوازن، التوازن الذي يعزز التعارف بين الناس على اختلاف مشاربهم وأجناسهم “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”.
وفي عالمٍ يزداد رقميةً وبرودةً، تتعاظم قيمة من يستطيع الحفاظ على النسيج البشري. وهنا يكون القانوني وسيطًا حكيمًا، وصانع ثقة، وحافظًا للتوازن، التوازن الذي يعزز التعارف بين الناس على اختلاف مشاربهم وأجناسهم “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”.
وربما أمضي أبعد من ذلك فأقول: إن التحولات الفكرية القانونية القادمة والابتكارات العقلية لن يُكتفى فيها بالمزاوجة بين القانون والتخصصات المتاخمة له كالقانون والاقتصاد أو القانون وعلم الاجتماع فمثل هذه المزاوجات تتبدى منذ عقودٍ سابقةٍ في حقول عديدة مثل تصميم وصياغة أنظمة ولوائح تشريعية تهدف إلى تحفيز حراك اقتصادي بنَّاء من شأنه خلق قيمة اقتصادية مستدامة – مثل أنظمة حماية الملكية الفكرية- وكذلك أبحاث قياس الأثر التنظيمي للتحقق من كفاءة أنظمة بعينها ومدى فاعليتها في تحقيق أهداف السياسة العامة التي سنت تلك الأنظمة من أجلها – فهذه المزاوجات والتفاعلات قائمة منذ زمن طويل وسيستمر تفاعلها في المستقبل.
ولكنَّ الذكالي سيوفر إمكانات عظيمة تُمكِّن من خلق مزاوجات ومزج تخصصات لم تكن معهودةً من قبل، والتي من شأنها أن تولد إبداعات فكرية لا نظير لها.. وأمثِّل على ذلك عندما يمزج الباحث القانوني بين المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم وبين المبادئ القانونية ويطبقها في سياق قانوني اقتصادي اجتماعي.. أو عندما يطبق الباحث فرضية العالم الرياضي النمساوي “قودل” التي تتعلق بقصور أي منظومة رياضية عن إثبات نفسها – وبالتالي فمهما بلغت المنظومة من كمال ستظلَّ ناقصةً، حيث لا تملك في ذاتها البرهنة على صحتها-، ويطبق الفرضية تلك على المجال التنظيمي بما يسمح بسن أنظمة ولوائح ذات آليات ديناميكية تسمح بتخصيصها وتحسينها بشكل مستمر، لتجاوز عتبات النقص إلى درجات الكمال البشري ما أمكن.
رابعًا: كيف نعد الجيل القانوني الصاعد للقيادة؟
إذا كان هناك ما ينبغي غرسه في الجيل القانوني الصاعد ليكون قائدًا لا مجرد مستهلك للأدوات، فإن ذلك يتمثل في ثلاث ركائز أساسية:
- استقلالية الإرادة (Agency): أن يدرك المهني أنه فاعل، لا مجرد متلقٍ. وأن يتعلم توجيه الأدوات، بما فيها الذكاء الاصطناعي، بدلًا من أن ينقاد لها.
- تحمُّل المسؤولية: في عالم يسهل فيه تعليق الأخطاء على الخوارزمية، تبرز قيمة الإنسان في شجاعة اتخاذ القرار، وتحمل تبعاته، وعدم الاختباء وراء الآلة.
- التفكير السياقي: فالحقيقة ليست بيانات مجردة، بل سياق، ومشاعر، وأخلاق، وتاريخ، ومآلات. ومن لا يقرأ هذه الطبقات، لن يستطيع أن يقود، ولو امتلك أفضل الأدوات. أدعو الجيل القانوني الصاعد ٌإلى تبني الجسارة كقيمة إنسانية ومنهج حياة. كن جسوراً، فإنه: من راقب الناس مات همَّاً* وفاز باللَّذة الجسورُ .. واستكشف طرقاً جديدة، ووجهات مختلفة – ليست بالضرورة مشابهة للمسارات التي درج المحامون والقانونيون اليوم عليها-.. وفي كل وجهةٍ مشروعةٍ، ستجدُ خيراً بإذن الله. فقد قال عزَّ من قائلٍ: “ولكلٍّ وجهةٌ هو مولِّيها فاستبقوا الخيرات“.
خامسًا: سلطان الإرادة — من مبدأ قانوني إلى تطبيق عملي وفلسفي
ولعل من أهم ما ينبغي أن يستعيده المهني القانوني في هذا العصر هو مركزية الإرادة الإنسانية، لا بوصفها مفهومًا نظريًا مجردًا، بل بوصفها مبدأً عمليًا وفلسفيًا يقيِّد سلطةَ الآلة ويكرِّس حضورَ الإنسان في قلب القرار.
فالقضية لم تعد تقنيةً فقط – يُنظر إليها فحسب في مدى قدرة الآلة فنياً واستقلالها النسبي تشغيلياً-، بل هي قضية إرادة وتفويض: من يملك حق الفعل؟ ومن يملك حق القرار؟ وما الذي يبقى بيد الإنسان، وما الذي يجوز تفويضه للأداة؟
وكلما ازدادت قدرة الأنظمة على التحليل والتوصية والتنفيذ والفاعلية التشغيلية النسبية، ازدادت الحاجة إلى ما يمكن تسميته إدارة التفويض؛ أي ضبط حدود التفويض، وتحديد ما يجوز للآلة أن تقترحه، وما يجوز لها أن تنفذه، وما يجب أن يبقى حصرًا في يد الإنسان. وهذا التقدير والتحديد والتخصيص لحدود الآلة ومساحة الإنسان وسلطاته هو شأن قانوني وأخلاقي واجتماعي ومعرفي في آن واحد، لأن تآكل السلطة البشرية لا يبدأ عادة بقرار كبير، بل بتوسع تدريجي في الاعتماد على الآلة، حتى يصبح الإنسان مصادقًا على ما لم يعد يصنعه فعلًا. ولابساً لثوبٍ لا يعلم من نسجه ومن أي مادة نُسج وإلى ثقافة ينتمي هذا الزيُّ. ومن هنا، فإن سلطان الإرادة يجب أن ينتقل من كونه مبدأً في كتب القانون فقط، بأن يكون بُنيةً تشغيلية حيَّةً تَحفظُ للإنسان مكانه بوصفه صاحب الاختيار، وسيِّد الإرادة، ومن يحمل البوصلة ويوجِّه المسار.. لا أن ينحصر دوره كمصادقٍ لاحقٍ على ما تصنعه الأدوات، أو أن يكون وافقاً على قارعة الطريق، ينتظر الحافلة “ذاتية القيادة” لتقله حيث شاءت.
سادسًا: الأمن الذكالي — حراسة الحدود الجديدة للمهنة
ومن هنا يتصل بالمهنة بعدٌ آخر آخذ في الصعود، هو الأمن الذكالي. حيث أصبح من المهم العمل على تأمين حدود الذكالي، وضبط مخاطره، وكبح جماح تطوره إلى فاعل تشغيلي يصعب احتواؤه ويزداد استقلالا عن سلطة الإنسان مع مضي الوقت. والتقرير الدولي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي 2026 يلفت إلى اتساع المخاطر المرتبطة بالأعطال، وصعوبة التدخل البشري في الوقت المناسب مع الأنظمة الأكثر استقلالًا، والحاجة إلى مناهج متعددة الطبقات لإدارة المخاطر المتعلقة باستفحال دور الآلة وتقلص السلطة البشرية سواء عن وعي أو بدون قصد.
والأمن الذكالي، في هذا المعنى، هو مجال تتقاطع فيه الحوكمة، والامتثال، والمسؤولية، وإدارة المخاطر، وحماية القرار البشري من الذوبان داخل مخرجات تبدو دقيقة ومحايدة، وهي ليست كذلك دائمًا. ولذلك سيغدو من واجب المهني القانوني أن يسأل، قبل اعتماد الأداة: ما مستوى الفاعلية التشغيلية “المستقلة” الذي بلغته؟ وما مقدار السلطة التي نمنحها لها؟ وما الضوابط التي تمنعها من تجاوز الغرض الذي صُممت له؟ فالتحدي الحقيقي يكمن في إبقاء الآلة ضمن حدودها، وألا تتسع صلاحيتها بصمت حتى تعيد تشكيل المؤسسة وقراراتها من غير مساءلة واعية.
سابعًا: لا تكن بارعًا في استخدام الأداة فقط… بل شارك في صناعتها
في المرحلة القادمة، التميز الحقيقي لن يقف عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة فحسب، إنما سيتجاوز ذلك إلى امتلاك القدرة على إنتاج أدواتك المعرفية أو تحوير الأدوات القائمة بما يتناسب مع منظومتك القيمية والمعرفية. فإنه من يتعلم استخدام الأداة بكفاءة، تكون أهميته بقدر هذه الكفاءة. أما من يتعلم صناعة الأداة ذاتها، فتكون أهميته بقدر أهمية الأداة نفسها، وبقدر أثرها في تشكيل السوق والممارسة والمعايير. ولهذا، فإن المهني القانوني مطالب بألا يكتفي بدور “المستهلك الذكي” للأدوات، بل أن يتقدم نحو دور أكثر تأثيرًا: أن يسهم في تصميم النماذج، وبناء القوالب، وصياغة المنهجيات، وتطوير المنتجات القانونية الرقمية التي تعكس فهمه الخاص للعدالة، والمخاطر، والمسؤولية، والثقة.
إن المهني القانوني مطالبٌ بألا يكتفي بدور “المستهلك الذكي” للأدوات، بل أن يتقدم نحو دور أكثر تأثيرًا: أن يسهم في تصميم النماذج، وبناء القوالب، وصياغة المنهجيات، وتطوير المنتجات القانونية الرقمية التي تعكس فهمه الخاص للعدالة، والمخاطر، والمسؤولية، والثقة.
وبخلاف الصورة النمطية لمكتب المحاماة الحالي، وتتمثل في كونه مكتباً لإدارة القضايا وتقديم الاستشارات بالمعنى التقليدي، فإنَّ صورة مستقبلية جديدة لمكتب المحاماة -المحاط والمستوعب لأدوات وتقنيات الذكالي- تتمثل في كونه معملًا متقدمًا لصناعة الأدوات القانونية، وتطويرها، وتحسينها، ودمجها في نسيج الاقتصاد ومؤسساته.
في ذلك المستقبل، لن يكون السؤال: هل تجيد استخدام الأداة؟ بل: هل لك بصمة في تكوينها، وتوجيهها، وتحديد ما ينبغي أن تعكسه من قيم ومعايير؟
والتحدي المقبل يتعلق بإعادة تصميم المؤسسات القانونية نفسها، ومراجعة أدوار الأفراد فيها. فالمسألة ليست فقط في أن يتطور المحامي أو المستشار، بل في أن تتطور الإدارة القانونية، ومكتب المحاماة، وآليات اتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وبنية المراجعة، والضوابط ونقاط التحقق الإلزامية التي تعيد القرار إلى الإنسان حين يستدعي الأمر ذلك. فالمؤسسة القانونية في المستقبل ستُقاس بقدرتها على بناء منظومة متوازنة تُحسن استخدام الأدوات دون أن تسلم لها مركز القرار، وتعرف كيف توظف التقنية دون أن تُفرغ المهنة من معناها الإنساني.
ثامنًا: الرجوع إلى أصول العلوم والمبادئ الأولى
كلما تقدمت الأدوات، ازداد احتياجنا إلى الرجوع للأسئلة الأولى. فالذكاء الاصطناعي قد يساعدنا في استخراج السوابق، وتحليل الأنماط، وتوقع النتائج، لكنه لا يجيب لنا، بالمعنى الإنساني العميق، عن الأسئلة المؤَسِّسَة التي يقوم عليها القانون نفسه:
ما هي العدالة؟
هل هي مفهوم نسبي يتشكل وفق الثقافات وموازين القوى؟
أم أنَّ فيها قدرًا من الإطلاق والاشتراك تتجاوز به اختلاف النظم والشعوب؟
ولماذا تختلف القوانين بين المجتمعات؟
وهل يمكن أن توجد مبادئ قانونية أو أخلاقية عليا يخضع لها البشر جميعًا، ولو اختلفت تشريعاتهم الوضعية؟
وهذه الأسئلة ليست ترفًا فلسفيًا، هي قد تمثِّل صمام الحماية الأخير للمهنة. فالخطر في المرحلة القادمة ليس فقط أن تنتج الآلة نصوصًا قانونية أسرع، بل أن يعتاد الإنسان على تقييم القانون من خلال سلامة شكله دون مساءلة عدالة جوهره. ومن هنا تتجلى أهمية الرجوع إلى المبادئ الأولى: ما العدالة؟ وهل يكفي أن يصدر النص عن سلطة مختصة حتى يكون جديرًا بالطاعة الأخلاقية؟
وأرى أن القانون الإسرائيلي الأخير بشأن إعدام الأسرى الفلسطينين يكشف الفرق بين اكتمال الشكل القانوني واكتمال العدالة؛ فهو يجعل الإعدام العقوبة الافتراضية للفلسطينيين المدانين أمام المحاكم العسكرية بارتكاب هجمات قاتلة. وقد انتُقد على نطاق واسع لأنه يعمل عمليًا ضد الفلسطينيين على نحو خاص داخل منظومة قضائية عسكرية، وهو ما دفع جهات حقوقية وأممية إلى وصفه بأنه تمييزي وعنصري في الغاية أو التصميم أو الأثر. واعتراضي عليه لا يقوم فقط على قسوة الجزاء، بل على الخلل الكامن في بنائه العدالي، إذ قد يبدو عامًا في صيغته بينما يتجه عمليًا إلى الفلسطينيين على نحو خاص، ويفتقد في حقيقته إلى المساواة والتجرد وحياد الجهة التي تطبقه، إنه الظلم القبيح عندما يتزيَّا بزي العدالة ويحمل مطرقة القانون! ومن هنا تعود الأسئلة الأولى لتفرض نفسها: هل يكفي أن يصدر النص عن سلطة مختصة حتى يكون جديرًا بالطاعة الأخلاقية؟ وهل تكون القاعدة القانونية عادلةً لمجرد أنها عبرت مسارها الإجرائي؟ بالنسبة لي، يكشف هذا القانون أن العدالة أوسع من الشكل، وأعمق من النفاذ، وأن مسؤولية المهني القانوني لا تقف عند سلامة الصياغة أو اكتمال الإجراء، بل تمتد إلى امتحان جوهر النص، وأثره. وهذا، في ظني، أحد المواضع التي يظهر فيها بجلاء أن الحكمة القانونية ليست في معرفة ما يقوله النص فقط، بل في القدرة على تمييز اللحظة التي يصبح فيها النص نفسه محل مساءلة.
ومن هنا، فقد يكون من المفيد أن نعيد النظر في تصورنا التقليدي للإدارات القانونية داخل المؤسسات. فهذه الإدارات لا ينبغي أن تُفهم مستقبلًا بوصفها وحدات للمراجعة أو الامتثال أو الضبط التعاقدي فقط، بل بوصفها، في مستوى أعمق، إدارات للحكمة. أي جهات تحفظ التوازن بين السرعة والتروي، وبين الإمكان والمشروعية، وبين المنفعة والعدالة، وبين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله. فإذا كانت بقية الوظائف في المؤسسة تدفع نحو الإنجاز والتوسع والتسارع، فإن الإدارة القانونية، في أرقى صورها، هي الجهة التي تحرس المعنى، وتعيد طرح السؤال الذي لا يجوز أن يختفي تحت ضغط الكفاءة: هل هذا قانوني فقط، أم أنه عادلٌ أيضًا؟
الإدارات القانونية داخل المؤسسات ينبغي أن تجسِّد دوراً جديدا في المستقبل بأن تكون إداراتٍ للحكمة، بأن تحفظ التوازن بين السرعة والتروي، وبين الإمكان والمشروعية، وبين المنفعة والعدالة، وبين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله.
الخاتمة
المرحلة القادمة هي مخاض انتقالي يتجلى فيها الفارق بين الذكاء كأداة، والحكمة كمهنة، والمعنى كرسالة. والمهني القانوني في المستقبل لن تكون قيمته في قدرته على قراءة النصوص فقط وانتاجها، وأنما تكون قيمته – بل والحاجة الماسة إليه- في قدرته على مساءلة أصولها، وفي قدرته وضلوعه في صناعة أدواته التي تتسق مع نماذجه المعرفية، وفي حراسة المعنى الأخلاقي للعدالة في زمن تتسارع فيه الأدوات أكثر من المعايير.
فمن يتبنى هذا المنهج ويستبطن هذه الرؤية سيجد في الآلة مصدراً – لا أداة تهديد- يُعزِّز من قدرته على ممارسة وظيفة من أعظم الوظائف الإنسانية. مهنةٌ تسعى إلى ترسيخ الثقة، وتحقيق العدل، وصناعة المعنى النبيل.
أحمد بن منصور التميمي
