
العلامة التجارية من أهم مكونات النشاط التسويقي لمنتج معين أو شركة معينة، حيث أنه بواسطة وتأثير العلامة التجارية الخاصة بالشركة؛ يميِّز العميل بين منتجاتها ومنتجات الشركات الأخرى، ومن خلال العلامة التجارية أيضا؛ يبني العميل ولاء وانجذاب وقناعات مسبقة تجاه المنتجات التي تحمل علامة تجارية يثق بها، وقد يبني -على النقيض من ذلك- شكوك ونفور وإحجام تجاه علامة تجارية لا يثق بها.
المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية
تطرقت في مقال (الملكية الفكرية في السياقات التجارية – حقيبة العدد والأدوات ) على مدونة وثيق watheeq.net عن أهمية النظر إلى حقوق الملكية الفكرية على أنها أدوات قانونية ذات منفعة تجارية تنافسية، وأنها ممكِّنات ضرورية للتنافس في اقتصادات حيوية ديناميكية قائمة على المعرفة والانتاج الفكري والإبداعي والتجاري. فما المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية؟
لبُّ المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية يكمن في أنها حقوق قانونية تمكُّن الشركة من “تمييز” منتجاتها عن منتجات غيرها من المنافسين وذلك بوضع شعارات خاصة أو كلمات فريدة أو إشارات مميزة على تلك المنتجات، بحيث يكون استخدام هذه الشعارات أو الكلمات أو الإشارات حصراً على الشركة التي استخدمتها وسجلتها. إذن التمييز والحصرية هما أساسان للمنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية؛ فوظيفة “التمييز” تحدد مدى المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية، وذلك عندما يتعرف العميل على منتجات الشركة بصورة مباشرة بدون أن يقع في الخلط واللبس، ومبدأ “الحصرية” يمكِّن الشركة من أن تبني في شعور العميل علاقات “associations” طويلة الأمد وعميقة الأثر بين العلامة التجارية وبين العميل مثل ارتباط العلامة التجارية بالجودة والموثوقية والخصوصية، وذلك من خلال أنشطة واعية لبناء هذه العلاقات عن طريق ما يسمى بـ “الإيسام” “branding”.
ولبناء علامة تجارية لها مركز قانوني قوي وفق قوانين العلامات التجارية المطبقة؛ هناك خطوات عملية من شأنها تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، وهذه الخطوات تنتظمها استراتيجية تسجيل العلامة التجارية بخطواتها الثمان.
الخطوة الأولى: اختر علامة مميزَّة!
أولى خطوات بناء الاستراتيجية هي اختيار علامة تجارية مميزة! وذلك يعود لسببٍ بسيطٍ، وهو أنه طالما كانت المنفعة التجارية التنافسية للعلامة التجارية ترتكز على تمييز المنتجات العائدة لشركة ما عن منتجات المنافسين؛ فإن الخطوة الأولى لبناء استراتيجية مناسبة هي اختيار علامة تجارية يمكنها أن تؤدي وظيفة التمييز على نحو جيد. ورغم أن هذه الخطوة تبدو بسيطةً، لكنها -بحسب تجربتي- أكثر ما تتعثر فيها الشركات عند اختيار العلامة التجارية! وذلك لأن معيار التميُّز المطلوب في العلامة التجارية له اعتبارات قانونية تشريعية قد تختلف أو تتعارض مع بعض الدوافع التسويقية التي تتجه نحو الوصفية والمباشرة وليس الابتكار والإلماح.
كيف تختار علامة تجارية مميزة؟
هناك أداة تساعد على تقييم مدى تميز العلامة التجارية مقابل مدى وصفيتها ومباشرتها. هذه الأداة تسمى “منحنى التميُّز” Spectrum of Distinctiveness ، (وهي المعروضة في الشكل رقم 1) ومن شأن فهم هذه الأداة واستخدامها عند اختيار العلامة التجارية -بحيث تستبعد العلامات غير المميزة- أن يحسن جودة قرار التسجيل، ومن شأنه أن يضمن أن تكون العلامة التجارية المختارة علامة مميزة وقوية قانونياً.
شكل رقم 1:

Source: https://selvams.com/blog/understanding-the-trademark-distinctiveness-spectrum/
الخطوة الثانية: اقتصر على الحد الأدنى المميِّز للعلامة التجارية
كلما قلت العناصر المكونة للعلامة التجارية؛ كلما ازداد نطاق الحماية للعلامة؛ وبالتالي تعزَّزَت قوتها القانونية. وتعزيز القوة القانونية للعلامة التجارية يعتبر هدفا رئيسا ينبغي أن تسعى لتحقيقه الاستراتيجيةُ الفعالةُ لتسجيل علامة تجارية.
في العلامات التجارية، الأقل يعطيك الأكثر، والأكثر يعطيك الأقل!
على سبيل المثال، فإن الأشكال أدناه تتضمن علامات تجارية اشتملت كل منهما على عناصر جوهرية وعناصر غير جوهرية وتفاصيل غير ضرورية؛ مما قد يضعف العلامة التجارية للشركة. علماً أن الشركات المالكة للعلامات التجارية قد تكون – في غالب الظن- طَّورت استراتيجيات تسجيل علامتها التجارية بحيث سجلت العناصر الجوهرية وحدها في علامات مستقلة، وبالتالي ضمنت الحماية القصوى لعلامتها.

وإشارة إلى الشكل رقم 2 أعلاه، فإن العلامات التجارية تكون أقوى إذا اقتصرت على عدد أقل من العناصر الجوهرية، فعلامة تباسكو من الأفضل لها أن تقتصر على كلمة تباسكو “TABASCO” فقط أو على الكلمة مع الشكل التكعيبي المحيط بها باللون الأحمر. وكذلك الأمر بشأن علامة كبريت الساعة، فإن الأفضل لها الاقتصار على كلمة “الساعة” في علامتها التجارية، وألا تجعل كلمة “كبريت” جزءاً من العلامة نظراً لأن كلمة “كبريت” هي اسم شائع لفئة المنتجات التي توضع عليها العلامة (وكما ذكرنا سابقاً فإن الأسماء الوصفية أو الأوصاف أو المسميات الشائعة للمنتجات لا يمكن تسجيلها كعلامات تجارية على فئات تشمل هذه المنتجات).
الخطوة الثالثة: صفها وصفاً مقتضباً
عندما نختار شكل العلامة “المميَّزة والمميِّزة”، فـإننا في هذه الخطوة نصفُ العلامة وصفاً لفظياً يشرح شكل العلامة نصياً. وينبغي أن يكون الوصف مقتضباً ومختصرا قدر الإمكان، لإن الإسهاب قد يضيق من نطاق الحماية. والوصف اللفظي للعلامة التجارية هو إحدى المتطلبات القانونية لتسجيل العلامة لدى الجهات المختصة. والأثر القانوني للوصف اللفظي للعلامة أنه: (أ) يحدِّد نطاق الحماية المطلوب بحسب شكل العلامة، و (ب) يستثني العناصر الشائعة غير القابلة للحماية وإن كانت مضمنةً في شكل العلامة.
ولصياغة وصف لفظي مناسب، ينبغي على الوصف اللفظي أن يستوعب كافة العناصر التصويرية واللفظية المكونة للعلامة، وأن يكون دقيقاً في وصف تلك العناصر، وأن يستثني من نطاق الحماية العناصر الشائعة غير المميزة. وفي المقابل، من المهم أيضا ألا يدخل مقدم الطلب في وصف العلامة عناصر غير ضرورية في شكل العلامة، وذلك حتى لا يضيق نطاق الحماية الخاص بعلامته. على سبيل المثال، فإذا كان مقدم العلامة يرغب في تسجيل كلمة “تايد”، ولم يكن الخط ولونه معتبراً في طلب التسجيل؛ فينبغي على مقدم الطلب أن يتجنب ان يورد في وصف علامته أوصافاً تتعلق بلون الخط ونوعه.
الخطوة الرابعة: حدِّد الفئات الملائمة لعلامتك (تصنيف نيس)
مفهوم الفئات من أهم المفاهيم في استراتيجية العلامة التجارية. وذلك لأن تسجيل العلامة التجارية يتطلب فيه قانوناً أن تحدد الفئة المشتملة على المنتجات أو الخدمات التي ستستعمل فيها العلامة. فهناك فئة للاتصالات، وفئة أخرى للخدمات التقنية، وفئة أخرى لخدمات إدارة الأعمال، وفئة لمنتجات الألبان، وفئة لمنتجات اللحوم الخ. وليس هناك تسجيل واحد يضمن حماية العلامة في كافة الفئات التجارية، بل لا بد أن يقدم طالب الحماية طلب منفصلا للتسجيل في كل فئة تجارية يرغب في حماية علامته فيها. ولذا ينبغي على الاستراتيجية الفعالة أن تحدد الفئات ذات العلاقة بالمنتجات أو الخدمات التي ستوضع عليها العلامة، ثم تسعى إلى تسجيل العلامة في تلك الفئات ذات العلاقة.
والفئات التجارية ليس مصنفةً عشوائياً، بل هي تخضع لتصنيف عالمي موحد أقرته الاتفاقية الدولية الخاصة بتصنيف السلع والخدمات لغرض تسجيل العلامات التجارية (اتفاقية نيس – Nice Agreement)، وعلى مكاتب تسجيل العلامات التجارية التابعة للدول التي صادقت على الاتفاقية أن تلتزم بهذا التصنيف لأغراض التسجيل للعلامات التجارية. علماً أن السعودية انضمت إلى اتفاقية نيس مؤخراً بتاريخ أبريل 2021. وهذا التصنيف يقسم فئات السلع والخدمات إلى خمسة وأربعين (45) فئةً تضم غالب الأنشطة التجارية والمنتجات والخدمات.
الخطوة الخامسة: اذكر الخدمات والمنتجات التفصيلية
عند رفع طلب تسجيل العلامة التجارية، ينبغي على مقدم الطلب تحدبد المنتجات أو الخدمات التفصيلية التي سيستخدم العلامة عليها، وهذه المنتجات والخدمات محصورة مسبقا تحت كل فئة. أي أن أي فئة من الفئات الخمس والأربعين الخاصة بتصنيف العلامات التجارية تحتوي على قائمة تفصيلية بالخدمات والمنتجات التفصيلية المندرجة تحت تلك الفئة، كما تحتوي كل فئة على وصف عام يتناول كافة الخدمات والمنتحات المندرجة تحت تلك الفئة. وهنا يواجه مقدم طلب التسجيل ثلاثة خيارات تتعلق بتحديد المنتجات والخدمات المندرجة تحت الفئة لتسجيل علامته فيها: الخيار الأول أن يحدد الوصف العام فقط دون أن يغوص في تفاصيل المنتجات. والخيار الثاني أن يحدد كافة المنتجات التفصيلية ويطلب تسجيل علامته فيها. والخيار الثالث أن يحدد من المنتجات والخدمات التفصيلية تلك الخدمات أو المنتجات المرتبطة بعلامته ويقصر التسجيل عليها. والخيار الأفضل في وجهة نظري هو الخيار الثالث متى أمكن. وذلك لأن تحديد المنتجات التفصيلية المرتبطة بالعلامة ضمن الفئة ذات العلاقة يوضح نطاق حماية العلامة على نحوٍ أدق، وأيضا قد يوسع من نطاق الحماية بحيث يشمل المنتجات التفصيلية المشابهة التي تقع ضمن فئة تسجيل أخرى.
الخطوة السادسة: حدِّد النطاق الجغرافي
المبدأ الآخر من مبادئ تسجيل العلامات التجارية، والذي يشكُّل بُعداً من أبعاد تصميم استراتيجيتها هو مبدأ “إقليمية الحقوق”؛ ويعني هذا المبدأ أن تسجيل العلامة في بلد معينٍ، إنما ينشأ عنه حمايةُ تلك العلامة في ذلك البلد فحسب، دون أن تسري حقوق الحماية إلى بلدان أو أقاليم أخرى. أي أنه حال الرغبة في حماية العلامة في نطاق جغرافي يشمل عددً من الدول (دول مجلس التعاون الخليجي)، فإنه يجب تسجيل العلامة في كل دول مجلس التعاون الخليجي من خلال تقديم طلبات التسجيل لكل دولة على حدة. وهناك استثناءان على مبدأ أقليمية الحقوق. الأول منها يتعلق بالعلامات الذائعة الشهرة، حيث نص نظام العلامات التجارية على أنه يحظر تسجيل العلامة التجارية المشهورة التي تجاوزت شهرتها حدود البلد الذي سجلت فيه عن سلع أو خدمات مطابقة أو مشابهة – إلا بواسطة مالك العلامة أو بإذنٍ منه-. أما الاستثناء الثاني فيتصل بعدد من اتحادات الدول كالإتحاد الأوربي التي يعد التسجيل فيها تسجيلاً في الدول الأعضاء المؤلفة لهذا الاتحاد، علماً أن مجلس التعاون الخليجي لا ينطبق عليه الاستثناء الثاني. ولذا عند تقرير النطاق الجغرافي الملائم للعلامة التجارية؛ ينبغي تحديد البلدان التي ستروج الخدمات والمنتجات فيها حالياً، وكذلك البلدان التي يمكن استهدافها تجارياً في المستقبل.
الخطوة السابعة: قدِّر تكاليف تنفيذ الاستراتيجية
القرارات أو التوجهات التي نتخذها أثناء تصميم استراتيجية التسجيل من شأنها أن يكون لها آثار وتكاليف مالية عند تنفيذ الاستراتيجية وتطبيقها. وتكاليف تسجيل العلامة التجارية تشمل ما يلي: أ- الرسوم الحكومية وما يدخل في حكمها (رسوم فحص الطلب، والنشر الإلكتروني، ورسوم طباعة شهادة التسجيل)، ب- الأتعاب الاحترافية التي تدفع لمكاتب المحاماة أو وكلاء الملكية الفكرية، وذلك في حال قرر المالك الاستعانة بهم في التسجيل (وهذا أمرٌ مرجُّحٌ خصوصاً عند التوجه لتسجيل العلامة في بلدان أخرى)، ج- رسوم الصيانة وتجديد العلامة التجارية، وذلك لأن مدة سريان شهادة التسجيل هي 10 سنوات، ويتطلب دفع رسوم إضافية لتجديد مدة تسجيل العلامة للحفاظ على سريان حقوق العلامة التجارية، د- رسوم الاشتراك في خدمات الرقابة (Watch Services) لمتابعة ورصد من يسعى إلى تسجيل علامة مطابقة أو مشابهة، ثم الاعتراض عليه أثناء المدد النظامية للاعتراض، ه- وأخيراً تكاليف الدفاع والإنفاذ. ومن بين عناصر التكلفة التي أوردتها، فإن العنصران الأكثر أهمية هما عنصرا الرسوم الحكومية والأتعاب الاحترافية. واستراتيجية التسجيل الفعالة ينبغي أن تقدم تقديرات معقولة لهذه التكاليف، حتى تساعد صانع القرار في اتخاذ قراره باعتماد الاستراتجية أو تعديلها وفقاً لمعطيات التكلفة مقابل المنفعة.
الخطوة الثامنة: قسِّم مراحل التنفيذ وفق إطار زمني
علاقة الزمن باستراتيجية تسجيل العلامة التجارية تظهر في شِقِّين، أولها ما يتصل بالمدة الزمنية اللازمة أو المتوقعة لإكمال إجراءات تسجيل العلامة في بلد ما. فعلى سبيل المثال، تستغرق الإجراءات في السعودية شهرين ونصف لإكمال تسجيل العلامة (ويدخل فيها مدة النشر النظامي للعلامة وهي شهران)، وتستغرق الإجراءات ستة أشهر وتصل إلى السنة في كثير من البلدان. والشق الثاني يتعلق بالتدرج الزمني في تنفيذ بعض مراحل الاستراتيجية. التدرج الزمني في التنفيد: وأقصد به قرار مالك العلامة – أو صانع القرار بشأنها- بإرجاء تنفيذ بعض مراحل الاستراتيجية، كالتسجيل في بلدان إضافية (النطاق الجغرافي) أو فئات أخرى (النطاق الموضوعي)، حتى تتحقق مؤشرات معينة تدل على جدوى العلامة من الناحية التجارية وتظهر نموها وتشجِّع مالك العلامة على استمرار الإستثمار في حماية العلامة.
هنا ننتهي من الخطوات المقترحة لتصميم وتنفيذ استراتيجية تسجيل العلامة التجارية، والتي من شأنها أن تبني علامة تجارية لها مركز قانوني قوي وفق قوانين العلامات التجارية المطبقة وضمن معطيات السياقات التجارية.
أحمد التميمي Ahamad Altamimi
01 محرم 1444 الموافق 30 يوليو 2022
