الرأي القانوني: نمطٌ صعبٌ، ونمطٌ مخيفٌ

حينما أفكر في طبيعة عمل المستشار القانوني أو عمل الممارسين في شتى الحقول القانونية الذين تعهد إليهم مسؤوليات إبداء المشورة القانونية وإبداء “الرأي” القانوني في الأمور المدنية والتجارية وغيرها وفق معايير القانون وما تقتضيه موازين العدالة والإنصاف؛ ، تتداعى إلى ذاكرتي عبارات سطَّرها الناقد الأدبي محمود محمد شاكر في كتابه “نمطٌ صعبٌ، ونمطٌ مخيفٌ” وأرى أنها تصف طبيعة العمل أدق وصفٍ وأبلغه، حيث قال: “وأراني قد صعَّبتُ الأمر جدًّا، ولكني في الحقيقة لم أصفْ إلا ما وجدتهُ وعانيته في بعض الشعر الجاهلي، وإن كان ذلك غير كائن في كل قصيدة قد اختلَّ ترتيب أبياتها. ولكن من العقل ألا يضمن المرء على الغيب شيئاً، بل عليه أن يستقبل الأشياء الملتبسة بأشدِّ وجوهها تعقيداً والتواءً، حتى يخلُص إلى السَّهل المُذعنِ وهو راضٍ عن نفسه، فإن الأمر أكبرُ من أن تزاوله باستخفافٍ. والاستخفاف أخدودُ الزَّلل، والزَّللُ أقصرُ طريقٍ إلى هلاكِ العقلِ وبوارِ المعرفة

والسياق الذي وردت فيه هذه العبارات يتصل بتفنيد محمود شاكر لآراء أدبية سادت في عصره بين نخب الأدباء والمفكرين ترى أن الشعر الجاهلي والقصائد القديمة تفتقر إلى وحدة الموضوع على مستوى القصيدة بينما تحافظ على وحدة المعنى في البيت الواحد، أي أن القصيدة الجاهلية -وفق الرأي السائد الذي خالفه محمود شاكر- هي خليطٌ من الأبيات التي لا ينتظمها موضوعٌ مشتركٌ أو نمطٌ واحدٌ.

رأى محمود شاكر أن الذي حدا بجمهرة من الأدباء والمفكرين في عصره لتبني هذا الرأي – أي افتقار القصيدة العربية الجاهلية لوحدة الموضوع- أن إدراك الموضوع المشترك والمعنى الكامن في القصيدة الجاهلية يتطلب مستوى عميقاً من التفسير والتحليل الأدبي للغوص في أعماق القصيدة الجاهلية وتفكيك معانيها للوصول للجوهر الكامن المشترك في أبياتها والذي ينتظمها جميعاً. وأن هذه الطريقة من التحليل والغوص في أعماق القصيدة الجاهلية طريقةٌ شديدة الصعوبة “نمط صعبٌ”، وإذا نظرنا أن المفردات في الشعر الجاهلي قد بَعُدَ عهد المعاصرين عنها مما يؤدي إلى وهن قدرتهم في تفكيكها وإدراك معانيها على وجهها، وأن السياق التاريخي والجغرافي والفكري والاجتماعي مختلفٌ عنه في السياق المعاصر، بالإضافة إلى أن القصائد قد نقلت إلينا عبر مئات السنين عن طريق رواةٍ نقلوها شفاهاً ثم كتابةً حيث أن معظم القصائد في العصر الجاهلي كانت تنقل مشافهةً ولم تكتبْ إلا في عصور لاحقةٍ، وهؤلاء الرواة اختلفوا في ترتيب أبيات بعض هذه القصائد تقديما وتأخيراً؛ مما قد يجعل من محاولة إدراك الموضوع المشترك والمعنى الكامن في القصيدة الواحدة أمرا موغلاً في التعقيد “نمطٌ مخيفٌ”. وهذه التعقيدات التي احتفَّت بالقصيدة الجاهلية دفعَ هؤلاء الأدباء المعاصرين – بحسب محمود شاكر- إلى تبني النظرية السهلة التي تقول أن الشعر الجاهلي يفتقد إلى وحدة الموضوع مما يؤدي إلى جعل الأديب المعاصر ينام مرتاحاً مطمئناً ومستشعراً أنه ليس مطالب بتوضيح المغزى والمعنى المشترك في قصيدة جاهلية معقدة اختلف الرواة في ترتيب أبياتها! وفي المقابل، من يزعم أن للقصيدة الجاهلية موضوعاً مشتركا واحداً ومعنى كامناً ينتظم أبياتها؛ سيطَالب من الغير بتوضيح المعنى المشترك الكامن في تلك القصائد للبرهنة على موقفه، وهذه البرهنة تتطلب جهداً مضنياً وقدراتٍ فذةٍ لا تتوافر عند عامة الناس.
والعلاقة بين السياق الذي وردت فيه عبارة محمود شاكر وبين سياق الرأي القانوني تُسْتشَفُّ من أن كليهما يشتركان في كونهما قد يتطلبان الخوض في أمور ملتبسةٍ توخياً الوصول إلى جوهر الأمر فالحكم عليه.

وسياق الرأي القانوني يتطلَّبُ ممن يتصدى له المرور بعدة مراحل، أبرزها:

  1. فهم الواقعة محل النظر فهماً واقعيا (أي متسقاً مع الوقائع والمعطيات التي تشكِّل الأمر)، وفي حال كانت الواقعة تجاريةً فإن الفهم لها يتطلب إدراكها وفق سياقها التجاري (أي إدراك الحيثيات التجارية والدوافع والأهداف التي تجعل من هذه الواقعة محبذةً تجارياً أو غير محبذةً).
  2. التركيز على الوقائع الجوهرية وإهمال أو إغضاء الطرف عن غير الجوهري منها وهذا يتطلب قدراً من التحليل أيضا.
  3. التعرف على النصوص القانونية والقواعد التنظيمية والاعتبارات القانونية التي تتعلق بهذه الواقعة وتنطبق عليها أو تؤثر فيها.
  4. تفسير النصوص القانونية والقواعد التنظيمية تفسيراً يمكِّن هذا المستشار من تطبيق الأحكام القانونية المستوحاة من النصوص والقواعد التنظيمية على الواقعة (وفي حال تعددت التفسيرات القانونية للنص أو القاعدة التنظيمية، فإن على المستشار تبني إحدى هذه التفسيرات وفق منهجية معتبرة يمكن الدفاع عنها وتبريرها إن اقتضى الأمر)،
  5. ومن ثَّم تطبيق هذه النصوص والقواعد – وفق التفسير المتبنى لها- على الواقعة وصولاً للحكم عليها وإبداء المشورة بشأنها،
  6. ثم صياغة هذه المخرجات التي تشكِّل الرأيَ القانوني بأسلوب واضح كاشف بلغة رصينة غير انفعالية أو متحيِّزة. 

وبعد الخلوص إلى الرأي القانوني وما ينبني عليه من حُكمُ في الأمر-، يشرع المستشار في التواصل مع الأطراف المعنية لعرض خلاصة الرأي القانوني الذي توصل إليه ومبرراته ومخرجاته. والتواصل له حساسيته لما يمكن أن ينطوي عليه من شحنٍ نفسي وتوترات شخصية حين يكون الرأي غير متوائم مع دوافع أو رغبات أحد الأطراف المعنية، مما يدفعُ الطرف المعني إلى محاولة الغضّ من أهمية الرأي، أو الطعن في صحة التفسير، أو الادعاء بعدم كفاية الفهم الواقعي والتجاري للواقعة عند المستشار على النحو الذي يمكنه من الحكم عليها وإبداء الرأي بشأنها.

وعلى المستشار أن يتوافر لديه القدر الكافي من التهيئة النفسية والقدرة الفكرية للدفاع عن رأيه والأسس التي استند عليها للتوصل إليه، ناهيك عن المرونة الفكرية التي تمكّنه من إعادة النظر في رأيه القانوني إذا وُجدتْ معطياتٌ جوهريةٌ لم يقفْ عليها مسبقاً، أو وجدت أبعادٌ تجارية أو فنية لها محلٌّ من النظر ومن شأنها التأثير على الرأي القانوني. وتلك السمات مجتمعةً هي مما يقتضيها إبداء الرأي القانوني على أصوله، وهي من المواهب والملكات التي يتمتع بها المستشارون ذوو الحصافة والنزاهة.

وبالعود إلى محمود شاكر، فقد انبرى محمود شاكر للدفاع عن الشعر الجاهلي وهو على قدرٍ من الإدراك لما يتطلبه موقفه من برهنة، وأن هذه البرهنة تقتضي اختيار قصيدة جاهلية مزعومٌ أنها تفتقر إلى وحدة الموضوع، ثم تفكيكها وتحليلها وإدراك المعنى الكامن فيها ثم استبطانه وتفسير كافة الأبيات على منواله. فكانت القصيدة التي عمد إليها محمود شاكر قصيدةً منسوبةً إلى الشاعر الجاهلي تأبط شرًّا:

إنَّ بالشِّعبِ الذي دونَ سَلْعٍ *** لقتيلاً، دمهُ ما يُطَلُّ
قَذفَ العِبءَ عليَّ وولَّى *** أَنا بالعِبْءِ لهُ مُسْتَقلُّ

وقدْ استقلَّ محمود شاكر بالعبء عن بقية الأدباء في عصره، وكان أقدرهم على حمله والوصول به إلى غايته، ثم غاص غوصاً في أعماق القصيدة وأعماق الشعر الجاهلي لا يستطيعه إلا من كان مثله، وأخرج بياناً بديعاً يثبت فيه وحدة هذه القصيدة بل وعمق هذه الوحدة وأبعادها، نقض فيه ببرهان قاطع رأي الزاعمين بافتقار القصيدة الجاهلية إلى معنى مشتركٍ ينتظم أبياتها وتتحد فيه.

وخلاصة الأمر في الرأي القانوني أن المستشار عندما يعمد إلى موضوع ما لدراسته وتحليله وإبداء الرأي فيه؛ يجب أن يتهيأ لمجابهة الصعوبات التي تكتنفه، وألاَّ يلجأ إلى إبداء الرأي بأبسط ما يتبدى له، وأسرع ما يظهر له، وأقرب ما تصل إليه أدواته. لإنَّ “من العقل ألا يضمن المرء على الغيب شيئاً، بل عليه أن يستقبل الأشياء الملتبسة بأشدِّ وجوهها تعقيداً والتواءً، حتى يخلُص إلى السَّهل المُذعنِ وهو راضٍ عن نفسه، فإن الأمر أكبرُ من أن تزاوله باستخفافٍ. والاستخفاف أخدودُ الزَّلل، والزَّللُ أقصرُ طريقٍ إلى هلاكِ العقلِ وبوارِ المعرفة
أحمد بن منصور التميمي
جمادى الآخرة ١٤٤٥ – ديسمبر ٢٠٢٣